ثقافة ومعرفة

كاروشي.. الوجه القبيح لكوكب اليابان الشقيق؟

عند ذكر دولة اليابان، غالبًا ما يعتقد بأن سكانها ينتمون لكوكب آخر، أكثر تنظيما، وأكثر تطلعا ورغبة في التفوّق، وهو ما يمكن لسائر جموع البشر الاتفاق عليه للعلم، لكن هذه هي نصف الحقيقة، أو للمزيد من الدقة، هذه هي حقيقة المنتج النهائي، الذي لم يخُض الكثير من الناس في تفاصيل حدوثه.

في الأغلب نرغب دومًا في إبراز النماذج الناجحة، فدولة مثل اليابان، صاحبة ثالث أكبر اقتصاد بالعالم، بالتأكيد تعد دولة ناجحة، لكن وبما أن لكل نجاح ضريبة، بالتأكيد هنالك من يدفع ثمن ذلك النجاح غاليا، ربما أكثر مما تتصور، فقد تكون ضريبة نجاح المؤسسات اليابانية هي حيوات موظفيها، تخيل؟

لماذا نحن هنا؟

في أعقاب الحرب العالمية الثانية، تم تدمير اليابان بشكل شبه كامل، كنتاج طبيعي لكارثة «هيروشيما» و«ناجازاكي» النووية، ما ترك أثرا على الاقتصاد بالتبعية، إلا أنه وفي مطلع الخمسينيات من القرن الماضي، لم يجد المسؤولون وقتها بدًا من إعادة البناء، بأي طريقة ممكنة.

قرر «شيجيرو يوشيدا»، رئيس الوزراء الياباني آنذاك، إعداد خطة تهدف لإعادة بناء الاقتصاد الياباني المتضرر، كأولوية قصوى لحكومته، لذا أجبر المؤسسات الاقتصادية الضخمة على تأمين وظائف ثابتة ‑مدى الحياة- لموظفيها، بالإضافة إلى ضمانات كالتأمين الصحي، المعاش… إلخ، في المقابل، طولب الموظفون فقط بإظهار الولاء الكامل للمؤسسات، والذي كان يعني الولاء التام لدولة اليابان، التي يسعى الجميع لإعادة بنائها.

ضريبة واجبة الدفع

كاروشي.. الوجه القبيح لكوكب اليابان الشقيق؟

داخل أي عمل مؤسسي هرمي، يرغب من يسكن أسفل الهرم في أن يتدرج صعودا لأعلاه، تلك هي الطبيعة البشرية، بالتالي، وبما أننا نتعرض بحديثنا لمن يتم تشبيههم بالآلات، فمن يسكنون أسفل الهرم الوظيفي، لن يجدوا حرجا في أن يعملوا حتى تتوقف قلوبهم تماما عن النبض، بغية الوصول لأعلى المناصب، بالتالي الحصول على المزيد من المميزات التي تضمن لهم ولذويهم حياة أفضل. لكن هل ذلك ما يحدث فعلا؟

«الأمر مؤسف، الشباب ليس لديهم خيارات عدة، فإما العمل لأكثر من 100 ساعة أسبوعيا أو الانسحاب، والانسحاب يعني أن لا تجد ما يعينك على الحياة».

 

-ماكوتو إيواهاشي، العامل بمؤسسة Posse التي تهتم بتقديم النصائح للشباب العامل.

يعني مصطلح «Karoshi» العمل حتى الموت، وهو ما بدأ يظهر داخل المجتمع الياباني بداية من السبعينيات، كنتاج للضغط الهائل الذي يتعرض له الموظفون.

في عام 1969، ظهرت أول حالة وفاة حقيقية لموظف بسبب الضغط، حينما تم الإبلاغ عن مفارقة شاب «29 عاما» يعمل بقسم التوصيل بإحدى أكبر الصحف اليابانية الحياة، تلاه عدد من التقارير التي تشير إلى تزايد حجم الأزمة إلى أن اعترف بها أخيرًا في 1982 بعد نشر كتاب يوثق المشكلة برمتها.

في منتصف الثمانينيات وجدت الحكومة اليابانية نفسها أمام كارثة متكاملة الأركان، فقد شهدت تلك الفترة وفاة العديد من رواد الأعمال بريعان شبابهم دون سابق إنذار، أو سبب واضح للوفاة.

بدأت السلطات المعنية بطوكيو العمل على إيجاد أسباب لحالات الوفاة المفاجئة تلك، عبر البحث خلف الإحصائيات، التي وجدت بأن 1 من كل 4 موظفين يعمل لأكثر من 60 ساعة أسبوعيا، وهو ما يعتبر ضعف عدد ساعات العمل بالولايات المتحدة الأمريكية مثلا.

عقب تفنيد الحوادث المتشابهة، تم اعتبار عدد من حالات الوفاة هذه كنماذج واضحة للـ«Karoshi»، ومنها ذكرت المؤسسة الدولية للعمل التالي:

1- وفاة عامل بمصنع للأغذية المصنعة عن عمر يناهز الـ34 عامًا بعد العمل لمدة 110 ساعات خلال أسبوع واحد.

2- وفاة سائق حافلة شاب بعد عمله لأكثر من 3000 يومًا دون أن يحصل على إجازة خاصة في آخر 15 يومًا قبل مفارقته الحياة.

3- وفاة ممرضة بعمر الـ22 ربيعا بعد عملها لـ34 ساعة متواصلة دون راحة في 5 مناسبات خلال شهر واحد، ما أدى إلى إصابتها بسكتة قلبية.

لأن هذا ليس كل شيء

كاروشي.. الوجه القبيح لكوكب اليابان الشقيق؟

لم تكن الآثار المترتبة على ضغط حجم العمل وحدها ما تؤدي إلى الوفاة بشكل مباشر، بل إن الضغط نفسه نتج عنه مضاعفات نفسية تؤول بنهاية المطاف إلى الوفاة، بل الانتحار عمدا للمزيد من الدقة.

ففي العام 2015، وتحديدا في ليلة عيد الميلاد، قفزت «ماتسوري تاكاهاشي» من شرفة مقر عملها بمؤسسة «Dentsu» بطوكيو، بعدما أمضت داخل عملها 100 ساعة إضافية خلال شهر واحد.

بذلك الصدد، نشرت إحصائية مرعبة عن حجم حالات الانتحار بين الشباب الياباني ما بين عامي 2011 و2019 بسبب ضغط العمل والتي تراوحت ما بين 1940 و2700 حالة انتحار.

هل من طوق نجاة؟

في الأغلب لا، هكذا رأت «ميشيو نشيجاكي» التي فقدت نجلها في العام 2017، لأنها تعتقد بأن الدولة تقود أبناءها للموت، وليس الرخاء كما يعتقد.

في حين وصف الأكاديمي «كوجي ماريوكا» ما يحدث بخيانة الشعب، لأن محاولات تافهة كإغلاق الأنوار لإجبار الموظفين على ترك مقر عملهم ما هي إلا محاولات ساذجة، لا تكفي لتصحيح الوضع القائم، لأن هذا الطرح وإن كان ظاهريا يبدو محمودا، إلا أنه لا يوجد ما يفرض على المؤسسات تطبيقه، أو معاقبة من يخالفه.

بالعودة إلى الأم التي فقدت فلذة كبدها أخيرًا، الحل يكمن فيما قالته نصًا:

«يجب إعطاء الفرصة للشباب للعمل لساعات عادلة، دون ضغوط، هم لا يكرهون العمل، لكن لا يعني ذلك أن يصابوا بالمرض ثم الوفاة أو الانتحار، حين يقوم الجميع بواجبه تجاه الشباب، حينها فقط، سيشعر الجميع بالفخر تجاه ما يمكن لنجلي ومن يشبهوه من إنتاج».

الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى