ثقافة ومعرفة

كيف أثرت القهوة في تغيير موازين القوى عبر التاريخ؟

قبل نحو 5 قرون من الزمان، كانت القهوة محصولًا محليًا مقتصرًا على بلدان شرق إفريقيا مثل: إثيوبيا واليمن، فيما استخدمه الصوفيون في بادئ الأمر لنفس الغرض الذي يستخدم له حاليًا؛ وهو الحصول على دفعة للبقاء في حالة استيقاظ، لتعينهم على الاستمرار في عبادتهم وبعض طقوسهم.

مع مرور الوقت، أصبح هذا المشروب عالميًا، كذلك امتد تأثيره، وأصبح أداةً لبناء امبراطوريات، وتغذية ثورات من جهة، ومن جهة أخرى، كان عاملًا غير مباشر في استغلال البشر، انتشار العبودية، ونشوب الصراعات الأهلية، وما بين الإيجابيات والسلبيات، فيما يلي نستعرض أوجه تأثير القهوة كمشروب عالمي على مسار التاريخ.

القهوة والعبودية

بعد انتشارها في الشرق الأدنى وشمال إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط، وصلت تجارة البن إلى أوروبا في القرن الـ17، ومع ازدياد شعبية القهوة، أدركت الإمبراطوريات الأوروبية أن بإمكانها زراعة قهوتها الخاصة باستخدام الفلاحين عبر استعبادهم في مستعمراتها النائية.

بحلول القرن الـ18، كانت كل من إنجلترا، وإسبانيا، وفرنسا، والبرتغال، وهولندا قد تمكنّت من جعل البن واحدا من أهم المحاصيل النقدية الاستعمارية الخاصة بهم، إلى جانب السكر والقطن والتبغ. لكن كيف؟

أُجبر العمال المستعبدون على زراعة البن داخل المزارع الاستعمارية في كل من إندونيسيا، أمريكا اللاتينية، ومنطقة البحر الكاريبي.

فمثلًا؛ تم زراعة نحو ثلثي القهوة الموجودة في القرن الـ18 بمستعمرة سانت دومينيك التابعة لفرنسا، والواقعة في منطقة البحر الكاريبي.

بشكل أكثر قسوة، استخدم البرتغاليون سلطتهم في نفس الفترة لجلب أكبر عدد من العاملين بالسخرة في تاريخ العالم الجديد لجعل البرازيل أكبر منتج للبُن في العالم، بشكلٍ جعل القهوة أساسًا لاقتصاد البرازيل ونظامها المصرفي، بل وهيكلها الاجتماعي والسياسي. قبل أن تلغى العبودية تمامًا في البرازيل عام 1888.

اقرأ أيضًا: صور مخيفة.. كيف تسببت التغيرات المناخية في قلب موازين العالم؟

النقاشات العامة

القهوة
شكل المقاهي بإنجلترا في القرن الـ18.

بالقرن الـ16، ظهرت المقاهي لأول مرة في الإمبراطورية العثمانية، من ثم أصبحت «بيوت القهوة» مفتاحًا لتأسيس ما أسماه بعض الفلاسفة «المجال العام»، الذي كانت حكرًا في السابق على النخبة، والذي أصبح بفضل المقاهي ملاذًا لجميع فئات المجتمع.

بعد فترة، رأى العثمانيون أنّه من الأفضل إغلاق المقاهي؛ حيث كانت المقاهي هي الأماكن المشتركة الوحيدة التي يمكن بداخلها التجمع ومناقشة الأخبار والدين والسياسة بعيدًا عن أعين السلطات الدينية أو السلطات الحكومية.

في أوروبا، عرفت المقاهي بـ«الجامعات المصغرة»، حيث استطاع روادها مناقشة أفكارهم، وابتداع حلول للتعامل مع الاقتصاد والسياسة، فمثلًا؛ بدأت أفكار مثل: بورصة لويد لندن وشركة الهند الشرقية البريطانية داخل المقاهي. ويعود سبب تسمية المقهى بالجامعة الصغيرة لأن سعر كوب القهوة أتاح للعامة فتح نقاشات مستمرة أيًا ما كان مستواهم الاجتماعي.

في أمريكا، اشتهرت حانة ومقهى «Green Drag­on» في بوسطن كمكان التقى فيه زعماء «أبناء الحرية» لتنظيم حفل شاي بوسطن 1773، ومن ثم عرض أفكارهم الثورية التي أدت إلى حرب أمريكا، التي انتهت أخيرًا بالاستقلال.

اقرأ أيضًا: الغزو التكنولوجي.. وأهم القوى المؤثرة في العالم

الثورة الصناعية

بفضل القهوة، أو بمعنىً أصح بفضل الكافيين الذي تحتوي عليه، استطاع عمال المصانع العمل ليل نهار أثناء ما عُرف بزخم الثورة الصناعية في القرن الـ18 بإنجلترا.

حسب كتاب The His­to­ry of Cof­fee and How It Trans­formed World، أصبحت القهوة، بعد أن كانت مشروب النخبة، مشروبًا للشعب، حيث حلّت قهوة الصباح محل الجعة؛ لأن الكافيين سمح للعمال بتحويل أوقات نومهم، والاستغناء عن ساعات راحتهم الخاصة بتناول الطعام، ما جعل المصانع، تعمل على مدار الساعة.

من أجل مقاتل أفضل

القهوة
القهوة السريعة بالحرب العالمية الأولى.

أثناء الحرب العالمية الأولى، استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية تقديم ما عُرف وقتئذ بـ«القهوة الفورية»، والتي كانت عبارة عن كريستالات من القهوة القابلة للذوبان سريعًا، وتم إنتاجها عبر تخمير المشروب لوقت طويل، وكان الغرض من هذا الاختراع؛ منح الجنود المقاتلين في الحرب دفعة لمواصلة القتال.

وبعد إثبات فعاليتها، ومع إعلان الولايات المتحدة الأمريكية دخولها الحرب العالمية الثانية عام 1941، طلب الجيش 140 ألف كيس من حبوب البن في الشهر، أي 10 أضعاف استهلاكه قبل دخول الحرب، لصنع هذا الشراب الفوري، في المقابل، قام المسؤولون بترشيد استهلاك المدنيين من البن لمدة 9 أشهر، من أجل منح الأولوية للجيش في ميدان القتال.

بعد الحرب، واستغلالًا لانتصار الولايات المتحدة الأمريكية، استخدمت شركات القهوة بعض المحاربين القدامى للترويج إلى المنتج سريع التحضير، بالتالي تهافتت الجماهير، التي أرادت محاكاة حياة الجنود المنتصرين، على شراء المنتج السحري، ما يعني بداهةً انتعاش خزائن هذه الشركات بالكثير من الأموال.

اقرأ أيضًا: من هولندا إلى نيذرلاند.. ولماذا تلجأ بعض الدول إلى تغيير أسمائها؟

البُن والحروب الأهلية

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، كانت الولايات المتحدة الأمريكية تخشى تزايد نفوذ الحركات الشيوعية بالبلدان المجاورة لها، والتي تعتبر المصدّر الأول للبن المستخدم في إنتاج مشروبات القهوة المختلفة الخاصة بالشركات الأمريكية، والعديد من المنتجات الأخرى.

قررت الولايات المتحدة التدخُّل ودعم انقلابات على الشيوعية في دول مثل: السلفادور، نيكاراغوا وجواتيمالا.

في السلفادور كمثال، وخلال فترة أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات، واجه نظام الحكم العسكري المدعوم من الولايات المتحدة حركات يسارية شيوعية، تسعى للإطاحة بالحكومة، التي كان عدد لا بأس به من قادتها ضمن نخبة تجار القهوة.

بدعم من أمريكا، تم تدريب ميليشيات الخونتا، التي انضمت للحرب الأهلية في السلفادور، والتي راح ضحيتها نحو 50 ألف قتيل، قبل أن تتضح تداعيات هذا التدخل بانخفاض في إنتاج البن، بالتالي انخفاض صادرات البلد من محاصيله، التي شكلت معظم عائدات دولة السلفادور، قبل أن ينتهي الأمر بانهيار اقتصادي، قاد نحو مليون شخص للفرار من البلاد.

نهاية؛ ربما تخبرنا الأبحاث العلمية حقيقة تأثير القهوة إيجابيًا أو سلبيًا على صحة الإنسان، لكن نادرًا ما نتطرق إلى دور هذا المشروب في تغيير مسارات بعض الشعوب كليًا، بل تغيير التاريخ نفسه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى