ثقافة ومعرفة

حرّمتها الدولة وقتلت شاربها.. تاريخ القهوة في مصر

في القهوة، كتبت قصائد ومجلدات، وكأنها عجوز مُعمر، تغنى بها البعض، وارتشفها الناس صباحا ومساء حد الإدمان، وعلى مر تاريخها، مرت القهوة بمراحل تعيسة، فقديما حرّمتها الكنيسة على المسيحيين قبل أن تتراجع عن ذلك خلال عهد البابا كليمنت الثامن، وجاء ذلك بعد أن قادت نساء إنجلترا سنة 1674 حملة شرسة للمطالبة بمنع القهوة بسبب اعتقادهن بقدرتها على الإخلال بقدرات أزواجهم الجسدية.

وباتت القهوة في فترة من الفترات مُحرمة تُعامل معاملة الخمر، بل وذهب البعض إلى أن خطرها أشد من المسكرات، وأضحى شاربها مهددا بالإعدام والسجن، ويقف موقع قل ودل في السطور التالية على تاريخ القهوة في مصر.

القهوة ليست بالثقافة الغريبة على المجتمعات العربية والشرق أوسطية، وخصوصا مصر، ففي مصر جميع أنواع المقاهي وفي كل زاوية، ففنجان القهوة، أحد أهم الأشياء الضرورية لبداية اليوم عند الكثير من الناس، لما تتمتع به من مذاق خاص، ودورها كمنبه للجسد، كما أن شعبيّتها الكبيرة في مختلف أنحاء العالم تجعلها ثاني أكثر السلع رواجا واستهلاكا بعد النفط الخام.

 

مقالات متعلقة

تاريخ القهوة في مصر من القرن الـ16 إلى الثورة الاجتماعية

وصول القهوة مصر

في القرن الـ16 وصلت القهوة لأول مرة إلى مصر، وفقًا لما ذكره كتاب جوناثان موريس بعنوان «القهوة: تاريخ عالمي»، وشاهدت مجموعة من طلاب الأزهر حينها، بعض الطلاب اليمنيين المغتربين يحتسون مشروبا غامقا، قبل البدء في الدراسة أو أداء طقوس دينية طويلة، مثل الدخول في حلقات من الذكر، حيث كان اليمن أولى الدول التي زرعت حبوب القهوة، وصدّرها إلى مختلف أنحاء العالم.

فضول طلاب الأزهر نحو القهوة

بطبيعة الحال، بمجرد أن لاحظ طلاب الأزهر ذلك الموقف، نما الفضول لديهم بتناوله، فلم يمض وقت طويل قبل أن يقرروا تجربته، وبالفعل بدأ الناس في تناوله بالمساجد خلال الذكر، والذي يرجع إلى أحد الطقوس الصوفية، التي تقوم بتناول القهوة بالأعياد الدينية مثل الاحتفال بالمولد النبوي الشريف.

نوادٍ اجتماعية في شكل مقاهٍ

بعد فترة وجيزة من انتشار القهوة، دخلت القهوة إلى مصر من بلاد اليمن عن طريق البحر إلى السويس ثم إلى القاهرة، وبدأت المقاهي تفتح في كل زاوية بأنحاء المحروسة، وبيعت القهوة وأصبحت في متناول الجميع، وتحولت هذه المقاهي إلى نوادٍ اجتماعية، بما يسمح للناس بالتجمع في الأماكن العامة لشرب القهوة والتحدث بشأن مختلف الموضوعات الحياتية، وخوفًا من طبيعة المناقشات التي خاضها الناس، حاولت السلطات المصرية حظر المقاهي.

القهوة
القهوة

فتاوى بتحريم القهوة

أصبحت القهوة سلاحا يهدد السلطات، بعد أن لفتت فكرة التجمعات انتباه السلطات، وباتت المقاهي غير مرحب بها في البلاد، خاصة بعد أن ساوتها السلطات بالكحول.

ولأن تاريخ القهوة ممتد أدرك الطلاب قيمتها وتسائلوا بالجامعات والمدارس حينها، وبدأ السؤال عن جواز شرب القهوة من حرمتها يظهر، ولم تجد بعض المدارس والعلماء المسلمين بدًا من الفتوى، إلى أن أفتى الشيخ علي أحمد السنباتي عام 1572، بأن القهوة مسكرة وبالتالي يجب حظرها، وفقا لما نشرته مجلة التحرير في العام 1953.

وأدت فتاوى السنباتي إلى مهاجمة رئيس الشرطة لمستهلكي القهوة وحبس بعضهم، كما هاجم الأهالي بعض المقاهي وحطموها واعتدوا على روادها، وأغلقوا أماكن تقديمها وكسروا أوانيها، ومنع استعمالها أو الجهر بشربها.

كما حاول العديد من تجار البن ومنتجي القهوة، إقناعه بالرجوع عن فتواه، في الوقت الذي استمر مؤيدوه بإيذاء كل من يشربها، حتى قُتل أحد تجار البن على أيديهم، ليفر بعدها الشيخ هربا إلى أحد المساجد مع مؤيديه، مما دفع التجار لمحاصرته بالمسجد، وأقاموا صوانا للاعتصام شربوا فيه القهوة دون سكر، ومنها جاءت عادة تقديم القهوة السادة في العزاء.

القهوة
القهوة

قطع الرقبة بالسيف

جاءت عقوبة متناول القهوة، بقطع الشفاه أو إلقاء الشخص في النهر وهو مقيد بحجر، أو قطع الرقبة بالسيف، وجميعها أحكام واجبة النفاذ، باعتبارها رجسا من صنع الشيطان، ولم يتردد السلطان مراد الرابع الحاكم حينها، من التجول بالشوارع لضمان تطبيق القرار الذي أصدره، برفقة عدد من قواته، متنكرا في زي إنسان عادي، وحال مشاهدته لشخص يحتسي القهوة، كان يقوم بقطع رقبته أمام الجميع.

وبحسب، ما ذكره المؤرخون المعاصرون، تسبب شرب القهوة في مقتل ما لا يقل عن 10 آلاف شخص.

السلطان مراد الرابع
السلطان مراد الرابع

السبب الحقيقي خلف تحريمها

لم تكن الأسباب التي قدمتها السلطة حينها بأن القهوة مسكرة، مقنعة وكافية لمنعها وحظرها، وبالنظر إلى السبب الأصلي وفهم المغزى، يجد الباحث أن في تلك الفترة، كانت مصر واقعة تحت حكم الدولة العثمانية، وكانت تلك الدولة تعاني من اضطرابات سياسية في دول الشرق الأوسط التي كانت تحاول الحصول على سلطة مستقلة.

وهكذا سرعان ما نُظر إلى المقاهي على أنها مركز اجتماعي يتناقش فيه الناس عن الأمور السياسية، ولكن في حقيقة الأمر كانت القهوة بمثابة جسر للتبادل المعرفي والفكري، بحيث يتناقشون في أمور الأدب والشعر والعلوم.

خاصة وأن المقاهي في فرنسا، لعبت دورا هاما في إشعال فتيل الثورة سنة 1789، ومنها انعقد أول الاجتماعات التي تسببت في بداية الاحتجاجات داخل أروقتها، مما جعل السلطات الفرنسية تستعين بالمرتزقة الأجانب لمهاجمة المقاهي وقتل من بداخلها.

تجمعات أخرى خارج القهوة

ظل الناس يجتمعون، وبالرغم من محاولات وقف نشاط المقاهي، إلا أنها ظلت مشهورة في مصر وبقية دول الشرق الأوسط، واجتمع الناس في المناسبات، متخذين وسائل أخرى للتنشئة الاجتماعية تمثلت في الحمامات العامة الشعبية ‑يذهب إليها الرجال والنساء من أجل التجميل- وصالونات الحلاقة.

ويذكر أن القهوة بالمقاهي كانت متاحة للرجال فقط، ولا يمكن للمرأة تناولها إلا في الحمامات الشعبية، كونها العذر الشرعي الوحيد لمغادرة المنزل.

القهوة
القهوة

سبب آخر للحظر

بجانب الأسباب التي قدمتها الدولة لحظر القهوة، ارتبطت المقاهي سلبيا بالنشاط الإجرامي وتواجد الراقصات بصورة أساسية كشكل من أشكال الترفيه، وبذلك لم تكن الدولة المؤسسة الوحيدة التي كانت تعاني من وجود المقاهي، ولكن أيضا المواطنين القاطنين في الأحياء المجاورة، شعروا بحالة من عدم الارتياح تجاه هذه التجمعات التي ظهرت مؤخرا.

وجاء ذلك وفقا لما أشار إليه الكاتب المسلم عبد القادر الجزيري، في القرن الـ16، والذي ذكر أن المقاهي في مصر تضمنت تعاطي المخدرات.

روايات عديدة عن ظهور القهوة

أما الروايات التي ترصد اكتشاف القهوة، فهي متعددة، منها قصة بالقرن الـ19، تحكي عن رجل إثيوبي يدعى خالدي خرج بقطيع من الماعز للمراعي، ولاحظ نشاط القطيع وتصرفاتهم الغريبة بعد تناولهم لنبات وحبوب القهوة.

في حين تحكي قصة أخرى عن اكتشاف نبات القهوة عن طريق الشيخ عمر، الذي نُفي لمنطقة غريبة بعد أن كان يعالج مرضاه من خلال الدعاء، وعندما شعر بالجوع، التقط إحدى الثمار من بين الشجيرات بجواره، فأحس بطعمها الطيب، وشوى بذورها، لكنه صُدم عندما رآها اكتسبت الصلابة، فما كان منه إلاّ أن غلاها لعلّها تكتسب بعض الطراوة، ففوجئ بسائل ذي لون بنّي وله رائحة لذيذة، وأعجبته عندما تذوقها فشربها، ولاحظ أنها أمدته بالنشاط لأيام عديدة.

القهوة التركية
القهوة التركية

أما اليوم، فانتشرت في مصر ثقافة القهوة على الطريقة الأمريكية في المقاهي المصرية، ولكن يظل المصريون مغرمين بتناول القهوة على الطريقة التركية، والتي تتكون من مسحوق حبوب البن المحمص الممزوج بالقليل من السكر، بدون حليب.

الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
قل ودل فعّل التنبيهات واحصل على جديد موقع قل ودل أولا بأول
Dismiss
Allow Notifications