ثقافة ومعرفة

تايتانيك.. وكيف كانت مظاهر الحياة على سطح السفينة الأشهر بالتاريخ؟

خلال الفترة ما بين نهاية القرن الـ19 وبداية القرن الـ20، شهد العالم ثورة صناعية ضخمة آلت إلى تقدُّم تكنولوجي متسارع، بعدما حلّت الآلات محل الإنسان تارة، وتم تحسين جودة المحركات البخارية في أخرى، قبل أن تستبدل تماما بمحركات الطاقة.

في هذه الفترة من تاريخ البشرية، كان التطور سريع الإيقاع، حيث قادت التكنولوجيا المتسارعة شركات شحن عملاقة مثل «وايت ستار لاين» و«هامبورج-أمريكا»، إلى التنافس بشدة عن طريق بناء أكثر السفُن سرعة وأناقة في نفس الوقت.

بأحد أيام صيف العام 1907، قام بروس إسماي، العضو المنتدب بشركة وايت ستار لاين، واللورد بيري، رئيس شركة «هارلاند أند وولف» لبناء السفن، بالاتفاق على بناء أكبر سفينة بالعالم، بحيث تتفوق على تلك الخاصة بشركة «كونارد لاين» المنافسة لهم، ليصلوا في النهاية إلى اتفاق شفهي مفاده أن تقوم الشركة ببناء 3 سفن عملاقة تحمل أسماء أولمبيك، تايتانيك، وبريتانيك.

تايتانيك تحت التنفيذ

تايتانيك.. وكيف كانت مظاهر الحياة على سطح السفينة الأشهر بالتاريخ؟

 

بدأ العمل على بناء سفينة تايتانيك العملاقة في مارس من العام 1909، بواسطة نحو 1400 عامل تم توظيفهم عن طريق شركة «هارالاد أند وولف»، حيث استغرقت أعمال البناء الخاصة بالإطار الخارجي للسفينة قرابة العام، قبل أن يتم تثبيت هذا الإطار بألواح ضخمة من الفولاذ، وأخيرًا انتهى بناء السفينة وطلائها كاملةً عام 1910.

كانت سفينة تايتانيك تحتوي على 29 غلاية، و159 فرنا، وتعمل بمحركين تردديين ضخمين وصل ارتفاعها إلى 40 قدما ووصل قطرها إلى ما يقترب لـ9 أقدام، ليتم اعتبارها في ذلك الوقت، أكبر بناء تدخّل صنعه الإنسان.

اعتقد ‑آنذاك- أن سفينة تايتانيك غير قابلة للغرق مهما حدث، في تحدٍ واضح للشركات المنافسة، وربما لقي الاعتقاد تصديقا من المهتمين بالسفن العملاقة، نظرًا لأن السفينة كانت تحتوي على 16 حاجزًا عملاقا لحجز المياه خارج جسم السفينة ومنع تسرّبه للداخل.

شهدت مغادرة تايتانيك لحوضها الجاف حضورا جماهيرا قُدر بـ100 ألف إنسان، أرادوا مشاهدة البناء الإنساني الأعظم في تاريخ البشرية ‑وقتئذ- وهو ينزلق داخل البحر، حيث تم ترتيب حفل ضخم على عكس المعتاد من الشركة المسؤولة عن البناء، حيث كان يُكتفى بتعميد السفن حديثة البناء بالنبيذ.

في الأول من أبريل عام 1912، كانت تايتانيك قد أنهت تجاربها البحرية، واعتبرت مؤهلة تماما لبدء رحلاتها بعرض البحر، لكن الحقيقة المؤسفة، والتي نعرفها جميعا، هي أن رحلة تايتانيك الأولى التي بدأت بعد ذلك بـ8 أيام فقط كانت الأخيرة كذلك.

تايتانيك.. بين الأثرياء والمُعدمين

تايتانيك

بالتأكيد كان الغرض من بناء سفينة تايتانيك هو توفير أرقى خدمة شحن بحرية للعملاء المنتمين لفئة النبلاء آنذاك، حيث كانت الحياة على متن السفينة مصممة لتفي بكل ما يتمناه الركاب الذين اعتبروا وقتئذ ضمن قائمة أثرى أثرياء البشر، لكن على النقيض تماما، حملت تايتانيك كذلك بداخلها عددا لا بأس به من المعدمين، الذين قرروا المهاجرة وذهبوا لركوب السفينة تسللا، أو على متن الأماكن المخصصة للفئات الأدنى من المجتمع، بحثًا عن فرص جديدة للحياة بأمريكا، حيث كانت رحلة تايتانيك الأولى من المفترض أن تتوجه من ساوثهامبتهون بإنجلترا نحو نيويورك.

حظي ركاب الدرجة الأولى، والتي وصل سعر التذكرة بها لنحو 4500 دولار أمريكي، بكل الرفاهيات الممكنة، حيث تضمنت هذه الدرجة مطاعم فاخرة، صالة للألعاب الرياضية، مكتبات، حوض سباحة، وكبائن إقامة تم تصميمها بعناية حتى تتلاءم مع الذوق الرفيع لهذه الشريحة من البشر، التي كانت في الأغلب تسعى للحصول على تجربة مثالية، لذا كان لا بد من أن يحاول مصممو السفينة إبهارهم بشتى الطرق، وهو غالبًا ما حدث.

كانت غرفة الطعام الخاصة بركاب الدرجة الأولى عبارة عن غرفة رائعة يبلغ ارتفاعها 114 قدمًا وتملأ عرض السفينة، حيث كان يجب أن تكون فخمة وكبيرة كفاية لتستوعب 532 راكبًا في جلسة واحدة، ونقل بعض الركاب الذين نجوا من الحطام أن العشاء نفسه يتكون من 10 أطباق.

لم تُترك أدق التفاصيل ضمانًا لخدمة على أعلى طراز، فكانت حجرة الاستقبال التي ينتظر بها الركاب قبيل تناولهم الطعام هي الأكثر أناقة، واعتبرت المقر المثالي للنخبة الاجتماعية من ركاب تايتانيك، بينما كانت الأماكن العامة الأخرى أيضًا على قدر كبير من الجودة، حيث كانت في الغالب تحتوي على صالات كبيرة للجلوس، مناطق خاصة للمدخنين، وغرف محصصة لمحبي القراءة، وصولا إلى ركن لتناول القهوة على الطراز الفرنسي.

حرصت شركة البناء على عدم اختلاط العامة بالنخبة، من أجل تجربة تناسب سعر التذكرة المدفوع من جهة، وبحثا عن الحفاظ على خصوصية الركاب من أخرى، فكانت كبائن الدرجة الأولى مقسمة على 39 جناحا في الطوابق العليا من السفينة، وحسبما كشفت هيئة الإذاعة البريطانية «BBC» كان أثاثها مصنوعا من ألواح خشبية مزخرفة ومنحوتة بتفاصيل معقدة تم صناعتها من أجود أنواع الخشب مثل خشب البلوط والماهوجني.

تايتانيك.. وكيف كانت مظاهر الحياة على سطح السفينة الأشهر بالتاريخ؟

 

على الجانب الآخر؛ كانت حياة ركاب الدرجة الثالثة على متن السفينة قاسية جدًا، حتى وإن تسلل بعضهم فقد تسلل إليها خلسةً، أو بعد دفع ثمن التذكرة التي وصل ثمنها لـ20 دولارا فقط، فقد كانت كبائن ركاب الدرجة الثالثة تستوعب ما يصل إلى 10 أفراد بكل كابينة، ولم تكن تحتوي الكبائن نفسها سوى على أحواض غسيل بسيطة وأسرّة من طابقين، وكانت الوسيلة الترفيهية الوحيدة المتاحة للعائلات وحتى الأطفال هي الصعود على سطح السفينة وحسب، لأن بالتأكيد كان محرما عليهم الولوج إلى المناطق المخصصة للنخبة، فلم يحدث ذلك إلا بحالات نادرة، كتلك الخاصة بـ«جاك» والتي نقلها الفيلم السينمائي الذي حمل نفس اسم السفينة.

وما بين هذه الفئة وتلك، كانت الفئة التي تحمل تذاكر الدرجة الثانية، التي حتى وإن لم تحظ بمميزات الدرجة الأولى الفاخرة، إلا أنها لم تكن تعاني بشدة، حيث حظي هؤلاء بوجبات طعام جيدة، وحضروا حفلات موسيقى حية.

الرحلة الأولى هي الأخيرة

في الـ10 من أبريل عام 1912، غادرت تايتانك ساوثهامبتون وعلى ظهرها نحو 2240 شخصا ما بين الركاب وطاقم السفينة، قبل أن تتوقف في تشيربورج بفرنسا، لتبدأ في الانطلاق نحو وجهتها النهائية إلى نيويورك.

حقيقة لم يكن انطلاق رحلة تايتانيك إلى نيويورك مثاليا، حيث يعتقد أن الطاقم بقيادة القبطان إدوارد سميث قد تجاهل نشوب حريق صغير داخل قبو السفينة، لكن القرار الذي اتخذ بعد مشاورة بين قبطان السفينة وكبير المهندسين كان مفاده أنه لا يمكن لذلك الحريق أن يلحق الضرر بهيكل السفينة بالتالي لا مانع من معالجة هذه المشكلة أثناء الرحلة وأنه لا توجد حاجة ماسّة للتوقف.

تايتانيك

في تمام الـ11 ونصف مساءً من يوم 14 أبريل، أي بعد 4 أيام فقط من رحلة تايتانيك الأولى، قرع أحد المراقبين جرس الإنذار بعدما رأى السفينة متجهة مباشرة نحو جبل من الجليد ظهر من العدم، ليحاول قائد السفينة تحويل مسارها لتجنب الاصطدام به.

الأمر الذي بدا وأنه قد نجح للوهلة الأولى، حيث لم يشعر أحد باصطدام قوي بين السفينة والجبل الجليدي، إلا أن الحقيقة كانت أن النتوء الخشن أسفل الجبل ‑تحت سطح الماء- قد أحدث قطعا وصل إلى مساحة 300 قدم من هيكل السفينة، ما جعل الجميع أمام حقيقة واحدة، وهي أن السفينة التي زعموا بأنها لا يمكن أن تغرق، في طريقها للغرق حتى قبل أن تُكمل رحلتها الأولى.

فشلت كل الجهود المبذولة لمحاولة إنقاذ السفينة العملاقة، كما لم تتسع مراكب الإنقاذ لهذا الكم الهائل من العائلات، ليتحول المشهد المُبهر بدايةً إلى آخر درامي بالنهاية، حيث تنازل بعض الرجال عن حيواتهم طواعيةً ومنحوها لأبنائهم وزوجاتهم، وفضّل البعض التكاتف سويا في انتظار مصيرهم المحتوم، لتنتهي قصة سفينة تايتانيك بنجاة نحو 706 أفراد فقط من أصل نحو 2500، تباينت أحلامهم بين الرغبة في رحلة ترفيهية، وفرصة جديدة لحياة كريمة.

الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى