جحا.. والحقيقة وراء أشهر الشخصيات الساخرة في التاريخ

ارتبط اسمه بالحكمة والطرافة والضحك، تعرفنا إليه ونحن في الصغر من بعض الحكايات، إنه جحا أشهر الشخصيات الساخرة في التاريخ، صاحب المغامرات، ولكن هل هو فعلا شخصية حقيقية؟ أم مجرد شخصية خيالية نسجت حولها الكثير من النوادر والطرف والحكايات؟

الحقيقة أنه قد اختلف أهل العلم في حقيقة شخصيته، وحتى في أصله ونسبه فالبعض يقول إن أصله عربي والآخر يرى أنه تركي والبعض يرى أنه من أصل فارسي، والصواب في أمر «جحا» أنه شخصية حقيقية، ثم تحول إلى رمز وشخصية عالمية، لها في كثير من ثقافات العالم أسماء مختلفة، وتنسب إليها مثل هذه الحكايات الهزلية التي تحكى عنها النوادر والطرائف.

من هو جحا؟

يقول الإمام الذهبي في كتابه : «سير أعلام النبلاء» إنه أبو الغصن، صاحب النوادر، دجين بن ثابت اليربوعي البصري، وهو يعد من التابعين، وهناك آخرون يدعون أنه من أهل العلم وإن «جحا» صاحب النوادر هو «دجين بن ثابت»، ولكن استنكر المحققون من العلماء هذا القول أيضا.

أما الجاحظ فيقول: إن اسم جحا هو «نوح»، ويقول ابن الجوزي في أخبار الحمقى والمغفلين إنه روي عنه ما يدل على فطنة وذكاء، إلا أن الغالب عليه التغفيل، وقد قيل إن بعض من كان يعاديه وضع له حكايات، وإنه رجل كيّس ظريف، وهذا الذي يقال عنه مكذوب عليه، وكان له جيران يمازحهم ويمازحونه.

كما قيل عن «جحا» إنه نصر الدين التركي، وقيل عنه إنه من النوكى الهالكين، وهو في الثقافة الفارسية من أصحاب الكرامات، وفي آسيا الصغرى وأوزبكستان هناك أقاويل عن الموطن الأصلي لنصر الدين، ويقال إن أصله من بخارى استنادا إلى بعض الوثائق التي تؤكد وجود ضريح له في بخارى، والغريب أن لنصر الدين ضريحا في مدينة (أق شهير) بتركيا وكان يعمل بها قاضيا في أواخر القرن الـ13، كما يقام له كل عام مهرجان يحمل اسم الشيخ نصر الدين (جحا) في مدينة أق شهير وله العديد من التماثيل في الميادين والحدائق بتركيا.

جحا أشهر الشخصيات الساخرة في التاريخ

ويقول عباس العقاد في كتابه «جحا الضاحك المضحك»: شيء واحد ثابت كل الثبوت في أمر جحا ذلك الشيء الثابت – قطعا – أنه لم يكن جحا واحدا، ولا يمكن أن يكونه؛ لأن النوادر التي تنسب إلى جحا بعضها يتحدث عن أناس في صدر الإسلام، وبعضها يتحدث عن أناس في عصر المنصور العباسي، أو عصر تيمورلنك، أو ما بعده من العصور بأجيال، ويستحيل أن تصدر عن شخص واحد لاختلاف الشخصيات التي تصورها في مجموعها، ومما لا ريب فيه قطعا أن رجلا واحدا لا يمكن أن تصدر عنه جميع هذه الحكايات ولو كانت متناسقة متساوقة تدل على عقل واحد ومزاج واحد وتتحدث عن فترة واحدة وبيئة واحدة.

فإننا إذا فرضنا وجود هذا الرجل وجب ألا يكون له عمل إلا أن يأتي بتلك النوادر والأضاحيك، ووجب ألا يكون لعشرائه وأصحابه عمل غير النقل عنه وإثبات هذه الأحاديث المنقولة، ويستحيل أن تصدر هذه النوادر عن شخصية واحدة لتباعد البيئات التي تروى عنها، سواء في الأمكنة أو العادات والأخلاق، وقد يروى بعضها عن فارس، ويروى بعضها عن بغداد أو الحجاز أو آسيا الصغرى أو غيرها من البلدان الشرقية. (ص86/-88)

لماذا أحب الناس جحا؟

اختلفنا أو اتفقنا على أصل جحا واسمه ونسبه إلا أن الثابت لدى الجميع أن شخصية جحا من أكثر الشخصيات المحببة في جميع أنحاء العالم فهو شخصية عالمية، لها تأثير كبير في ثقافات الشعوب، ولعل سبب الإجماع على حبه أنه يعد رمزا للخير والفطرة، إنه الرجل البسيط الذي يحارب بلا سلاح، وينتصر بالحيلة في كل موقف كما أنه يدخل البسمة إلى القلوب، فهو يعد شخصية خيالية استعانت بها الشعوب لنقد أحوالهم عندما تضيق بهم الدنيا، لدرجة أنه أصبح كل شخص منا لديه جحا الخاص به.

أشهر نوادر جحا في التراث العربي

تعتبر نوادر جحا أشهر الحكايات في التراث العربي، ومن أشهرها نوادره وهو قاضٍ بالإضافة إلى نوادره مع الحمقى ونوادره مع ابنه وإليكم مجموعة من أشهر نوادره:

(العصا تحمل الأرجل)

حمل جحا إوزة مشوية إلى الأمير، وغلبه الجوع ورائحة الشواء في الطريق، فأكل إحدى رجليها، ثم وضعها بين يدي الأمير، فسأله عن الرِّجل الناقصة أين ذهبت!

قال: لم تذهب إلى مكان، وإنما الإوز كله برجل واحدة في هذا البلد. ثم تقدم بالأمير إلى نافذة القصر وأشار إلى سرب من الإوز قائم على قدم واحدة كعادته في وقت الراحة، فدعا الأمير بجندي من حرسه وأمره أن يشد على سرب الإوز بعصاه، وما كاد يفعل حتى أسرع الإوز يعدو هنا وهناك على قدميه.

قال الأمير: أرأيت؟ إن إوز هذا البلد أيضا خلق بقدمين ولم يخلق بقدم واحدة!

قال جحا: مهلا أيها الأمير، لو شد أحد على إنسان بهذه العصا لجرى على أربع!

(التقوى المهلكة)

سكن جحا في دار، فشكا إلى صاحبها أنه يسمع قرقعة في سقفها.

قال صاحب الدار: لا تخف، إنه يسبح لله.

قال: وهذا الذي أخشاه، تدركه رقة فيسجد علينا!

(الحمير تعرف بعضها)

كان جُحا راكبا حماره حينما مرّ ببعض القوم، وأراد أحدهم أن يمازحه فقال له: يا جحا لقد عرفت حمارك ولم أعرفك.

فقال جحا: هذا طبيعي لأنّ الحمير تعرف بعضها.

الكاتب

  • ماجستير في التاريخ، ليسانس آداب من جامعة القاهرة، حاصلة على دبلوم تربوي ودبلوم المعلومات والتوثيق، كاتبة في عدد من المواقع والصحف، من هوايتها القراءة والكتابة.

مصدر المصدر 1 المصدر 2 المصدر 3
علق على الموضوع
DMCA.com Protection Status