«جزيرة ينجيلاب».. والعاصفة التي أصابت كل سكانها بعمى الألوان

تخيل أن تكون محاطا بعالم كامل من الألوان، لكنك لا تقدر على رؤيته كما هو، يبدو ذلك محزنًا، صحيح؟ لكن الحقيقي أن هذا هو واقع مصابي «عمى الألوان». بداهةً لا يمتلك كل البشر نظر ورؤية مثالية، لكن السؤال: ماذا لو تشاركت جزيرة كاملة في كون سكانها يعانون من عمى ألوان حقيقي ومتكامل.. كما حدث في «جزيرة ينجيلاب».

جزيرة ينجيلاب

تقع جزيرة ينجيلاب في المحيط الهادئ، وهي جزء من ولايات ميكرونيزيا الموحدة، والتي تتألف من ثلاث جزر هم: «ينجيلاب»، «سوكورو» و«دايكي». وترتبط جميعًا بثروة طبيعية من الشعاب المرجانية.

«ينجيلاب» هي الجزيرة الوحيدة المأهولة بالسكان من بين الثلاث جزر، كما أنها لديها لغتها الخاصة، والتي يتحدّث بها حوالي 250 فردا، وهم تعداد نسمات هذه الجزيرة النائية.

وتتمتع هذه الجزيرة بمناخٍ استوائي، ودرجات حرارة دافئة على مدار العام، إلا أنها دائمًا ما تكون معرضةً لهطول الأمطار بغزارة على مدار السنة كلها.

عودة بالذاكرة

في العام 1775، ضرب إعصار ضخم جزيرة ينجيلاب، حيث دمر الجزيرة بأسرها، حاصدًا أرواح كل السكان إلا عشرين ناجيًا، كان أحدهُم يدعى « Doahkaesa Mwanenihsed» والذي ربما هو محل حديث هذا الموضوع.

طبقًا للعمل الهائل الذي قدّمه علماء الوراثة السكانية، لدراسة مدى تأثير هذه العاصفة على تحُّول جينات الناجين، اتضح أن أحد الناجين ‑المذكور أعلاه- كان حاملًا لجين يسبب عمى الألوان، وأحيانا ضعف الرؤية والحساسية الشديدة للضوء.

طبيعة هذه الجزيرة المنغلقة على نفسها جعلت من التزاوج بين الأقارب محفزًا لتناقل هذا الجين بين الأجيال، ما جعل الأعراض لا تتضح جليةً سوى بالجيل الرابع، لتستمر وتيرة التناقل، لنصل إلى الجيل السادس من سكان هذه البقعة من الأرض، حيث يقدّر أعداد المصابين بعمى الألوان بـ10% من سكان الجزيرة. وليتضح لك حجم المشكلة، فالولايات المتحدة الأمريكية تمتلك نسبة 0.003% من المصابين بعمى الألوان، بمعنى أوضح، من أصل كل 33 ألف نسمة هنالك شخص واحد مصاب.

شهادات

اعترف أحد الصيادين القاطنين بالجزيرة، والذي يعاني من نفس حالة عمى الألوان، بأنه يواحه صعوبة في الرؤية بضوء الشمس الساطع، لكنه يمتلك قدرةً أفضل من الشخص العادي على الرؤية ليلا. ويستخدم هذه القدرة الخاصة لإرباك «الأسماك الطائرة» بغية اصطيادها باستخدام كشافا شديد الإضاءة، لأن الأسماك الطائرة ‑حسب رأيه- تعتقد بأن الكشاف هو القمر.

وأضافت مصورة فوتوغرافية أن اللون الأكثر شيوعا على الحزيرة هو اللون الأحمر، لأن حسب السكان هو اللون الأكثر وضوحا بالنسبة إليهم، لكنهم على الرغم من ذلك يفضّلون اللون الأخضر، حتى وإن كان ليس أحد الألوان الواضحة بالنسبة لمصابي عمى الألوان لأنه من الصعب التعرف عليه، لكن يُمكن إرجاع ذلك إلى حب السكان لنباتات الغابة لا أكثر.

  بحث علمي

بعد أكثر من 30 عامًا من البحث حول السبب الحقيقي لهذه الظاهرة الغريبة، تمكن العلماء من الوصول إلى السبب في إصابة سكان الجزيرة بهذا المرض في عام 2000.

جزيرة ينجيلاب
درجات رؤية الإنسان للألوان

اختبر اثنان من الباحثين من جامعة «جونز هوبكينز» الحمض النووي لـ32 من سكان الجزيرة، كان 50% منهم مصابين بعمى الألوان، وبعد عدّة اختبارات، تمكنّوا من تتبع الجين المسؤول عن هذه الحالة، وهو «CNGB3».

المشكلة الحقيقية هي أن سكان الجزيرة يعانون من ما يعرف بعمى الألوان الكلي، وهو شكل أكثر تطرفا من عمى الألوان العادي (الذي لا يستطيع الإنسان خلاله التفرقة بين الأحمر والأخضر أو الأزرق والأصفر) بل هو حالة تجعل من العالم شاشة من الأبيض والأسود فقط.

هذه الحالة تحديدًا لا تأتي فجأة ولا تظهر على جيل بعينه دون مقدمات، لكنها نتاج لما يعرف بالأليل المتكرر، ولهذا افترض العلماء بأن ظهور هذه الحالة (رؤية الأبيض والأسود فقط) أتت بعد عدد من حالات التزاوج والإنجاب بين حاملي نفس الجينات، وهي حالة ربما لم يكن يعاني منه حامل الجين الأصلي وقت العاصفة التي ضربت الجزيرة بالقرن الـ18.

الكاتب

مصدر طالع المصدر الأصلي من هنا
علق على الموضوع
DMCA.com Protection Status