آراء ومساهمات

محمد كريم إبراهيم يكتب: خذ العبر وانس الماضي

جروحٌ لا تشفى من الماضي، كلمات مُهينة وخائبة من الأقارب، تجاربٌ حزينة من الطفولة، لقد أعطت الحياة لكل منا سبيلًا مليئًا بالمطبات، مطبات خاصة وشخصية، بعضنا لقي أكثر منها والآخر أقل، بعضها ندبات جسدية وأخرى نفسية.

يبدو أنه مهما غيرنا اتجاهنا وأينما ولينا وجهنا وفتحنا صفحات جديدة في حياتنا، سرعان ما تدركنا تلك العقبات والصعاب، وتبرُز أمامنا حفر مظلمة لا نؤمن بأننا سنجتازها مع مرور الزمن، ولا نقدر على نسيانها بسهولة.

ليس لأننا لا نريد أن ننسى، بل بسبب طبيعتنا وطبيعة دماغنا وذاكرتنا التي تحتفظ بتلك الأحداث حتى لا نقع في تلك الحفر مجددًا في المستقبل، إلا إن تلك الذكريات الموجعة ليست وظيفتها الوحيدة منعنا من ارتكاب الأخطاء السابقة، وهي تأتي مع آثار جانبية تُعذب المتذكر وربما تدفعه نحو الكآبة، وتحرمه من الفرص القادمة، وتحجبهُ من الجانب المشرق من الحياة.

إنها المشاعر التي تأتي مع العبر، هي التي تجعلنا متشائمين عما توجد خلف الجدران، الشعور بالغضب عندما نتذكر موقفًا مهينًا لنا يجبرنا على نسيان العبرة والمنطق والدرس من الموقف ونُركز على ذلك الشعور وحده ونُكبره في وعينا، والشعور بالحزن عندما نتذكر فقدان أحبابنا يقودنا نحو الخمول والتضيق والانكماش بدلًا من أن يرشدنا للمغزى من تلك المطبة ويُقوي كياننا للمستقبل.

المشاعر بالطبع هي مُحفزة للأفعال، مُحركة للعضلات، هادفة للتغيير، نكون في ذروة الانفعالية والنشاط عندما نشعر بشعور ما، ويجب علينا أن نشعر بشيء ما عند لحظات الفرح والأسى والسعادة والحزن، ولا نريد أن نكتم تلك المشاعر في داخلنا، بل نريد أن نظهرها لأنفسنا وللآخرين، عن طريق ملامح وجوهنا ونبرات صوتنا، لكنها في غالب الأحيان عندما ترتبط بماضٍ أليم وعريق، وتلتصق بنا لفترات طويلة، فلا تجلب لنا عندها سوى البؤس.

العبر والدروس هي ما نريد أن نغتنمها من الذكريات الماضية، وليست المشاعر الفانية، التعلم من خطوات سابقة خاطئة هو غايتنا عندما نريد استحضار تجارب أليمة، تصحيح مسارنا يجب أن يكون من أولوياتنا عندما نرجع إلى استذكار تاريخنا، لأن الحياة تمشي على شكل أنماط متكررة، فلا بد لها أن تعيد بعضًا من جوانبها، ومن محاسنها ومساوئها، علينا أن نكون بأتم الاستعداد عندما يحصل ذلك، مدعمين بالمنطق والعقلانية من أجل عدم الرجوع إلى الوراء.

علينا أن ننسى الماضي لكيلا تَجرنا المشاعر المرتبطة بالذكريات المؤلمة نحو الهاوية والتهور، فقط الوحوش والحيوانات البدائية تتصرف من خلال عواطفها الفطرية، ما يفصلنا عن الكائنات الأخرى هو العقل الذي وهبنا الله إياه وطريقة التفكير، نضطر إلى استخدامه في شتى الحالات، وحتى لو كانت تلك الذكريات شخصية ولم نرغب في تلويثها بقسوة المنطق والعقلانية.

البحث عن العبر في ركام الذكريات السيئة ليس سهلًا العثور عليها، والمشاعر المؤذية تجعل الأمر أكثر صعوبةً، مراجعة هذه الذكريات لحظة بلحظة وبالتسلسل لمعرفة الخلل الحاصل في أحد أطرها يتطلب شجاعة وعزيمة من الفرد ليتخلى عن المشاعر التي لا طائل من جلبها في الحاضر، وينظر إلى الموقف من منظور الشخص الثالث ويعاينه بالموضوعية والحيادية حتى يأخذ مرادهُ منه، ويتغلب على الجانب المظلم والشرير من الحياة.

ولعلك لا تدري أن تلك المشاعر قد غَطتْ عنك رؤية الحقائق والأسباب، لعل الخطأ كان منك في تلك اللحظة الغاضبة، لعل الخلل كان شيئًا آخر الذي أثار حدثًا مأسويًا في حياتك، لكي تتعلم من أخطاء الماضي، عليك أن تجد الأخطاء أولًا، ولإيجادها يجب أن ترفع ستار المشاعر عن تأملاتك في المنصرم.

انس الماضي، وخُذ الدرس، اترك المشاعر والأحاسيس البدائية، فقد انتهى مفعولها في الحاضر مع انتهاء اللحظة الماضية، لن تساعدك في مسيرتك نحو الأفضل، فما زالت أمامك مطبات مألوفة لتجتازها بما تعلمته من السابق.

 

إخلاء مسؤولية: المحتوى في قسم الآراء والمساهمات لا يعبر عن وجهة نظر الموقع وإنما يمثل وجهة نظر صاحبه فقط، ولا يتحمل الموقع أي مسؤولية تجاه نشره.

 

الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى