ثقافة ومعرفة

داود الأنطاكي.. الحكيم الضرير صاحب “التذكرة” الأشهر في الطب

الحكيم داود الأنطاكي، صاحب الكتب المعروف اختصارا بـ”تذكرة داود”، واحد من أصحاب الهمم، نابغة الطب في عصره، والعجيب في أمر حكيمنا أنه ولد فاقدًا لنعمة البصر فكيف له أن يكون طبيبا؟ وكيف له أن يفرق ما بين النباتات والأعشاب الطبية بأنواعها المتعددة والتي لا يعرفها سوى المبصرين؟ هذا ما سنتعرف عليه في مقالنا.

من هو الحكيم داود الأنطاكي؟

إنه العالم الطبيب داود بن عمر الأنطاكي نسبة إلى مدينة أنطاكية، وهي مدينة بتركيا تقع على البحر بالقرب من بلاد الشام (مدينة تركية تقع جنوب تركيا في ولاية هتاي أو ما يعرف بـ لواء إسكندرون)، ولد سنة 950 هـ وتوفي عام 1008 هـ – 1600 م عالم بالطب والأدب، عندما ولد كان ضريرا وكسيحًا، ولكنه تحدى إعاقته فأصبح من أشهر أطباء عصره، وانتهت إليه رياسة الأطباء في زمانه.

تعليمه

كان والده حريصًا على تعليمه فحفظ القرآن، وعندما اشتد عوده كان لدى أباه خادم جديد من العجم، لما رأى داود وعرف سبب عجزه، صنع له دهنًا ودهن قدميه به، ومدده في حر الشمس ولفّه في لفافة، وكرر ذلك الفعل مرارًا من غير فاصل حتى قام داود على قدميه، ثم قرأ له في المنطق والرياضيات والطبيعة ثم اليونانية، ودرس اللغة اليونانية فأحكمها، وقرأ له ما أبدعه اليونانيون والكثير من مؤلفات العرب في الطب.(سوف أحيا، سامي البجيرمي، ص69)

رحلة كفاح داود الأنطاكي

بدأ رحلته من أجل طلب العلم، والتي زار فيها العديد من البلاد بحثًا عن الطب والتمكن فيه، وبعد كثير من المشقة والجهاد في طلب العلم، وجد داود بن عمر في نفسه قدرة على العلاج، فبدأ يمارس الطب وكان الأمر صعبا في البداية فالناس في كل مكان يحل به تجدهم مشفقين عليه من ممارسة الطب، ومنهم من أشفق على مرضاه، فكيف يمارس رجل كفيف الطب؟ غير أن الوضع تغير وبعد علاج الكثير بفضل الله على يديه آمن الجميع بموهبة الطبيب الكفيف، وفي كل بلد ارتحل إليها داود الأنطاكي كانت تسبقه شهرته الواسعة، بعد أن نجح في علاج عشرات المئات من الحالات الصعبة كانت ميؤوسًا من علاجها.

قرر الرحيل إلى القاهرة فاستقبل استقبال الفاتحين وأقام بها مدة معلمًا وطبيبا، وكان في نفس الوقت ملتمسًا للزيادة في المعرفة، وكانت له حجرة في المدرسة الظاهرية لاجتماعه بالناس ومداواة المرضى منهم، وكان تلاميذ داود في تلك المدرسة من الأطباء.

ثم رحل إلى مكة فأقام بها سنة وتوفي في آخرها. (الأعلام للزركلي، ج2)

الحكيم داود الأنطاكي
الحكيم داود الأنطاكي

صفاته

اشتهر الحكيم داود الأنطاكي بقوة البديهة، وسعة الأفق، وغزارة المعلومات، حتى قيل إنه يُسأل عن الشيء من الفنون فيملي على السائل الكراسة والكراستين، ويحكى أن رجلا سأله عن حقيقة النفس الإنسانية فأملى عليه رسالة عظيمة.(الأعلام للزركلي)

كان مجاهدًا في طلب العلم، يضحي بالغالي والنفيس في سبيل طلب العلم، كان حريصًا على طلابه في تحصيل العلم، وعرف عنه أنه معتدل لا يعرف التعصب.

كان يستقبل الجميع بترحاب، ويقدم لهم ما أنعم الله به عليه من العلم النافع لا يمنع علمه عن أحد.

ولقد ذكر لنا ابن العماد الحنبلي بعض لمحات عن شخصية طبيبنا داود الأنطاكي في كتابه (شذرات الذهب ج8 ص416) فذكر: (داود بن عمر الأنطاكي نزيل القاهرة المعزية، والمميز على من له قيد المزية. هي التوحيد ـ بأنواع الفضائل والتفرد بمعرفة علوم الأوائل، سيما علم الأبدان المقدم على علم الأديان، فإنه بلغ فيه الغاية التي لا تدرك).

كما قال عنه صاحب شذرات الذهب: (وكان فيه دعابة وحسن سجايا وكرم، وخوف من المعاد وخشية من الله. كان يقوم الليل إلا قليلاً ويتبتل إلى الله تبتيلاً، وكان إذا سئل عن شيء من العلوم الحكمية والطبيعية والرياضية أملى ما يدهش العقل بحيث يجيب على السؤال الواحد بنحو الكراسة. ومن مصنفاته التذكرة جمع فيها الطب والحكمة ثم اختصرها في مجلده).

مؤلفاته

تجاوزت عدد مؤلفاته 26 مؤلفًا أغلبها في الطب منها: تذكرة الألباب، يعتبر من أشهر مؤلفات الحكيم داود الأنطاكي في الطب والحكمة، 3 مجلدات، يعرف بتذكرة داود والذي يمكن اعتباره موسوعة في الطب.

والجامع العجب، وكتاب البهجة، والدرة المنتخبة فيما صح من الأدوية المجربة، وفي هذين الكتابين عدد كبير من أسماء النباتات ومصادرها وقواها وأهميتها في علاج الأمراض.

من مؤلفاته أيضا (النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان وتعديل الأمزجة) و(غاية المرام في تحرير المنطق والكلام) و(نزهة الأذهان في إصلاح الأبدان).

كما كتب أيضا (زينة الطروس في أحكام العقول والنفوس) و(ألفية في الطب) و(كفاية المحتاج في علم العلاج) و(شرح عينية ابن سينا) و(رسالة في علم الهيئة).

وكتب في الأدب تزيين الأسواق، اختصره من (أسواق الأشواق).

وله شعر في الطب.

نظرية داود الأنطاكي في الطب

كان للحكيم داود بن عمر نظريات جديدة في الطب تختلف عن غيره من معاصريه الأطباء، حيث إنه لم يكتف بوصف المرض والدواء، بل كان يهتم بصنع الدواء وكان يرى أن الزمن جزء من العلاج، فكان يهتم بملاحظة المريض أثناء فترة العلاج للتأكد من مدى فاعلية الدواء وتأثيره وملاحظة المريض بعد فترة من الشفاء.

معالجة كل مريض بنباتات أرض البلد التي يعيش بها، وهذا نقلًا من القواعد التي قررها أبقراط الذي كان يقول: (عالجوا كل مريض بعقاقير أرضه فإنه أجلب لصحته).

كما كان يحث الأطباء في عصره على دراسة بعض العلوم، كالهندسة والجغرافيا، وكان يقول إن الجراح الذي لم يدرس الهندسة أولى به أن يترك مكانه لغيره، حيث إن علم الهندسة يفيد الجراح في معرفة الشكل الأنسب للقطع خلال العمليات الجراحية بما يفيد المرضى، فلا قطع يزيد فيقتل، ولا ينقص فيضيق على الطبيب علاجه.

أما علم الجغرافيا فيفيد الأطباء الذين سيصفون الدواء للمرضى لأن علمهم بطبيعة المناخ والبيئة، يجعلهم أقدر على وصف الدواء. (سوف أحيا، سامي البجيرمي، ص73)

كتاب التذكرة لداود الأنطاكي

تذكرة أولي الألباب والجامع للعجب العجاب، حاز كتاب التذكرة على شهره كبيرة حتى يومنا هذا، واشتهر باسم تذكرة (داود) أو التذكرة لداود الأنطاكي، حيث إن داود بن عمر وضع في كتابه خلاصة علمه في شتى العلوم، وفي تاريخ علم الأدوية على وجه الخصوص.

يتكون الكتاب من 4 مجلدات تعالج أغلب مجالات الطب، فذكر في المقدمة العلوم المذكورة في الكتاب، الطب والطب البيطري والجغرافية وعلم التنجيم من زاوية طبية والرياضيات وعلم الفلك وغيرها من العلوم، وعلم الصيدلة وما يتعلق بصناعة الدواء وطرق العلاج.

تكلم في الباب الأول عن الطب وفروعه، وأفرد في الباب الثاني قوانين الإفراد والتركيب في صنع الدواء، وما يمكن خلطه لصنع الدواء، وتكلم في الباب الثالث عن المفردات والمركبات وما يتعلق بها من اسم، وماهية، ومرتبة، ونفع، وضرر، وتركيب العقاقير الطبية.

وتكلم في الباب الرابع عن الأمراض فذكر اسم المرض ووصف أعراضه وما يخصها من العلاج.

ظل هذا الكتاب متداولًا لعصور كثيرة في جامعات أوروبا والشرق يعتمدون عليه في تعليم الصيدلة.

قدم لنا الحكيم داود الأنطاكي علمًا، ما زال ينتفع به بعد رحيله بمئات السنين، وبرغم ما كان يعانيه من ظروف إلا أن ذلك لم يثن من عزمه فلم يستسلم، إنه داود بن عمر الأنطاكي الطبيب الذي كتب اسمه بحروف من نور، وجعل من إعاقته طاقة نور تضيء لمن حوله.

بواسطة
المصدر 2
المصدر
المصدر 1

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى