ثقافة ومعرفة

رعاة البقر.. ومن هم الفاكيروس الذين تجاهلهم التاريخ؟

رسخ الغربيون الكلاسيكيون صورة رعاة البقر على أنهم أمريكيون بيض، لكن الموجة الأولى لهؤلاء الأشخاص الذين يركبون الخيل ويرتدون القبعات الكبيرة كانت غالبًا في أمريكا الشمالية، لفئة من الرجال المكسيكيين الأصليين.

الـ«فاكيروس».. رعاة البقر الأصليين

قبل مئات السنين من ظهور راعي البقر الأمريكي، كان هناك ما يعرف بـ«الفاكيرو»، وهو فارس خبير، يمكنه رعي الماشية، إضافةً لمهارته القتالية الفريدة.

طبقًا لـ«بابلو رانجيل»، المؤرخ المستقل الذي درس تاريخ الفاكيروس، يرجع تاريخ رعاة البقر الأصليين إلى الماضي الاستعماري، حيث تم تدريبهم للمرة الأولى على أيدي الإسبان عام 1519، على الأرض التي تعرف حاليًا باسم المكسيك، وكانت مهمتهم تتلخّص في وضع الماشية على ظهور الخيل والتنقّل بها.

اشتقت كلمة فاكيروس من الكلمة الإسبانية «فاكا»، والتي تعني بقرة، واشتهر الفاكيروس بمهاراتهم وقدرتهم على التكيف حيث وسعت إسبانيا إمبراطوريتها في أمريكا الشمالية غربًا من ما يعرف الآن بتكساس وأريزونا ونيو مكسيكو إلى البعثات الفرنسيسكانية في كاليفورنيا بحلول أواخر القرن الثامن عشر.

بماذا تميّز الفاكيروس؟

رعاة البقر
رعاة البقر

ويعتقد أن وظيفة الفاكيروس كانت مهمة للغاية لهذا المجتمع، خاصةً وأن أنماط تربية الماشية الحديثة لم تكن قد استحدثت بعد، بالتالي كان تواجدهم ضروريًا في مجتمع كانت فيه الإمدادات الغذائية شحيحة وغالبًا ما تنقطع الماشية المستوردة من إسبانيا.

بينما كان لدى الإسبان دائمًا تقليد طويل في الفروسية، كانت الحياة على تضاريس أمريكا الشمالية الوعرة تتطلب ما هو أكثر من ذلك، لذلك ما فصل الفاكيرو عن الفارس العادي، هو قدرة الأول على استخدام الوهق لترويض الخيول البرية وبناء السرج بنفسه.

الانضمام للجيش الاستعماري

حسب رانجيل، كان للوفود الإسبانية المرسلة للمكسيك دور هام في تدريب رعاة البقر، حيث كان عناصر تلك البعثات قادرين على ركوب الخيل بحرفية، وتربية الماشية. بالتالي، دربّوا السكان الأصليين للمنطقة، كما استمد السكان الأصليون أيضًا من تجاربهم الخاصة مع الفروسية وصيد الجاموس من أجل تحسين تقنيات الفاكيرو بشكل أكبر.

ومع سعي الإسبان للتوسع غربًا، لم تعد مهمة الفاكيروس مقتصرةً على رعي الماشية والخيل البرية وحسب، بل تم تجنيدهم كقوّات مساعدة للجيش الإسباني ضد القوات المحليّة التي تقاوم محاولات الاستعمار.

“اقرأ أيضًا: الشطرنج.. وحقائق تاريخية عن لعبة الملوك

التأثُر بثقافة الفاكيروس

رعاة البقر

مثل رعاة البقر في الثقافة الشعبية الأمريكية، كان غالبية الفاكيروس من الشباب غير المتزوجين الذين يمكنهم التعامل مع الأعمال المرهقة والماهرة ويمكنهم السفر إلى حيث يطلب منهم أرباب العمل الذهاب إلى المزرعة.

مع تطور دور الفاكيرو في إسبانيا الجديدة، نشأت ثقافة فريدة، استمرت جوانب عديدة منها حتى يومنا هذا، فمثلًا؛ اشتق مصطلح لاسو من الكلمة الإسبانية لازو (حبل)، وقد تمت صياغته في أوائل القرن التاسع عشر، وهو رباط مصنوع في الأصل من جلد وشعر الخيل الملتوي، وربما كان ذلك الحبل هو الشيء الجوهري الذي يفصل ما بين الفارس العادي والفاكيرو.

أتاح التعامل مع الوهق بمهارة للفاكيروس مسألة صيد الماشية الضالّة، كذلك كان وجود عمال قادرين على رعي الأبقار بنجاح أمرًا مهمًا بشكل خاص في البعثات الإسبانية في ما يعرف الآن بكاليفورنيا، حيث قدمت الماشية مصدرًا حاسمًا للمواد الغذائية للمنطقة التي نمت حولها مدن كاليفورنيا لاحقًا.

أدت التضاريس الوعرة في الغرب أيضًا إلى تطوير ملابس الفرسان، عبر ارتداء أغطية الساق، التي عرفت بـ”Chaps”، وتُعرف هذه الكلمة في الأصل باسم “Chaparreras” باللغة الإسبانية، وهي متجذرة في كلمة “chaparral”، وهو الاسم الذي يطلق على الشجيرات الشائكة الكثيفة والأشجار الصغيرة التي تشكل الدعامة الأساسية للمناظر الطبيعية.

كذلك أثرّ إرث الفاكيروس على مفهوم رعاة البقر الأمريكيين، حيث تم تشكيل بعد جديد للترفيه، عبر مسابقات الوهق التي تعتمد على قدرة الفارس على تقديم حيل باستخدام الحبال، متأثرًا بثقافة رعاة الأبقار.

صعود رعاة البقر الأمريكيين

رعاة البقر

بدأت مهارات الفاكيروس تؤثر على رعاة الماشية غير اللاتينيين قبيل اشتعال الحرب الأمريكية المكسيكية عام 1845، وعند استقلال تكساس وانضمامها للولايات المتحدة الأمريكية، هاجر المستوطنون الأنجلو من الشمال إلى تكساس، استولى البعض على المزارع من المالكين المكسيكيين.

في ظل الملكية الجديدة، ظل الفاكيروس في وظائفهم، بينما قاموا أيضًا بتدريب الوافدين الجدد على مهاراتهم في تربية المواشي وكيفية صناعة الوهق واستخدامه، وكان بعض من قاموا بتدريبهم أشخاصًا ملونين أيضًا، حيث قدر المؤرخون أن ما يصل إلى ربع رعاة البقر في القرن التاسع عشر كانوا أمريكيين من أصل إفريقي.

تاريخ مشوه

تم اعتبار الفاكيروس المكسيكيين الذين ساعدوا في بناء الغرب الأمريكي جزءًا أساسيًا من تاريخ المنطقة لدرجة تحوّلهم لمشاهير من خلال جولات تعريفية، والتي صورت نسخة رومانسية للغاية من التوسع الغربي، ولكن لم يكن التصور الشعبي عن رعاة البقر حتى ظهور صناعة السينما سوى لكونه الرجل الأمريكي الأبيض العازب الذي كان دائمًا بطل أي قصة.

بالعودة لوجهة نظر رانجيل مرة أخيرة، فقد تم التلاعب بالتاريخ، فعادة ما يتم تصوير اللاتينيين والسكان الأصليين على أنهم أشرار، بينما يُصور راعي الأبقار الأمريكي كرجل طيب، وهو أمر عارٍ تمامًا من الصحة.

ولكن على الرغم من تهميش الفاكيروس من خلال الثقافة ​​والعديد من الروايات التاريخية عن الغرب، إلا أن أساليب تربية المواشي التي أتقنوها لا تزال قائمة، حيث لا تزال معظم المزارع تستخدمها، ما يعني أن رعاة البقر المكسيكيين قد أثرّوا بالفعل في الثقافة الأمريكية، حتى وإن تم إنكار ذلك بشتى الطرق.

المصدر
مصدر

تعليق واحد

  1. لو انتا زملكاوي ويهمك يكون صوت شعب الزمالك واصل ومسمع ادعمنا بمتابعة للجمهوريه الزمالكاويه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى