رياضة

روي بينتو.. “روبين هود” كرة القدم العالمية

في فبراير ٢٠٢٣، أعلنت رابطة الدوري الإنجليزي الممتاز عبر بيان رسمي إحالة عددًا من الانتهاكات المزعومة في حق القواعد المالية للدوري الإنجليزي من قبل نادي مانشستر سيتي الإنجليزي، إلى لجنة قانونية للتحقيق فيها. 

في الواقع، لم تكن هذه المرة الأولى التي يواجه فيها النادي الإنجليزي اتهامات كتلك، بل أن اليويفا كان قد سبق وأصدر قرارًا بحرمان النادي من المشاركة أوروبيًا لمدة سنتين عام ٢٠٢٠، قبل أن تلغيه محكمة التحكيم الرياضي (CAS). 

في الواقع، أزمة السيتي تلك، وبغض النظر عما سوف تؤول إليه الأمور بنهاية المطاف، سواءً بالبراءة أو الإدانة، ما هي إلا ترجمة لمحاولة أحد الأشخاص النبش في الجحور المظلمة لعالم كرة القدم. هذا الشخص يدعى «روي بينتو»، أو صاحب سلسلة «تسريبات كرة القدم». فما هي قصته؟ 

الكثير من الغموض

لطالما تحدث أنا وأصدقائي عن كرة القدم وعن قضية فساد الفيفا وعن الترتيبات المتعلقة بالحقوق الرياضية للاعبي كرة القدم التي توضع في أيدي أطراف ثالثة وصناديق استثمارية. كنا نعلم أنه أمر غير قانوني. 

روي بينتو. 

شعر بينتو بالفزع من الطريقة التي بدت بها اللعبة التي نشأ معها مصابة بالفساد، ومن هنا بدأ كل شيء حرفيًا، حيث تحوّلت حياة شاب في العشرينات من عمره رأسًا على عقب؛ أضحى متهمًا بعدد من القضايا التي قد تضعه بالسجن لـ٢٠ عامًا، بعدما كان مجرد طالبًا يدرس التاريخ. 

ألقي القبض على روي بينتو عام 2019 في المجر ومن ثم تم ترحيله للسجن في لشبونة بموطنه الأصلي بالبرتغال، على خلفية اتهامه بـ147 تهمة عقب تسريبه معلومات سرية وتقديمها لمجلة “دير شبيجل الألمانية” حول عديد الصفقات والأحداث الغامضة المتعلقة بكرة القدم خلال الفترة ما بين 2015 و2018. 

على عكس الصورة الذهنية التي تمتلكها عن مخترق محترف، لم يكن روي بينتو طالبًا ناجحًا، وهذه أول مفارقة. طبقًا لمصادر مقربة منه، كان روي قادرًا ببساطة أن يكون طالبًا مميزًا؛ لأنه يمتلك من الذكاء الفطري ما يعينه على ذلك، لكنه كان يرى بداخله أن ذكاءه الشديد لا يجب أن يكون محكومًا بتوصيات معلميه. 

هذا ما تفسره بشدة حياة بينتو العملية، الذي درس التاريخ دون أن يحصل على شهادة جامعية قط، لكنّه مع ذلك تعلَّم تكنولوچيا المعلومات بمفرده، بل وتميّز بها. 

تسريبات روي بينتو

روي بينتو

تعود قصة تسريبات كرة القدم كما ذكرنا إلى عام 2015، حين قرر بينتو أن يبعث رسالة مقتضبة لأحد الصحفيين البرتغاليين بعنوان: مرحبًا بك في تسريبات كرة القدم. ضمت هذه التسريبات المبدئية مجموعة من فضائح الفساد المالي لرئيس نادي بنفيكا، النادي الذي يعد غريما لبورتو، الذي يشجعه بينتو. 

في الواقع، لم تكن فضيحة بنفيكا المتعلقة بتورط طرف ثالث بصفقات انتقالات فريق كرة القدم، والتي استقال رئيس النادي لاحقًا على إثرها سوى بداية لسلسلة من التسريبات الأكثر فضائحية، والتي كانت عبارة عن 4 “تيرابايت” من الملفات السرية التي أرسلها روي للمجلة الألمانية. 

من ضمن هذه التسريبات، كانت إشارته بالمستندات لتهرُّب نجمه المفضل كريستيانو رونالدو من الضرائب، خلال فترة تواجده في مانشستر يونايتد، كذلك تأكيده على أن نادي ريال مدريد الإسباني كان قد قام بتزوير أرقام التعاقد مع الويلزي “جاريث بيل” في 2014، تجنبًا لإشعال غضب رونالدو، الذي اقتضت مصلحة النادي، من وجهة نظر رئيسه فلورنتينو بيريز، أن يظل هو أغلى لاعب في العالم. 

في الواقع، لم تثبت هذه الادعاءات، على الرغم من نشرها بشكل موّسع؛ ربما لأنها خرجت على عهدة رجل واحد، لكن في الحقيقة، اعترف روي بينتو أنّه لم يكن المسؤول الأوحد عن سلسلة التسريبات، بل تعاون مع عشرات الأشخاص حول العالم، لكنّه فضل أن يتحمّل المسؤولية بمفرده. 

السوبرليج

روي بينتو

وبغض النظر عن دور روي بينتو المؤثر في تسريب معلومات أدت في نهاية المطاف لفتح تحقيقات حول تلاعب ناديي مانشستر سيتي الإنجليزي وباريس سان جيرمان الفرنسي بالقواعد المالية للاتحاد الأوروبي لكرة القدم، كان “السوبرليج” هو أهم المخططات التي فضحها بينتو في تسريباته. 

في نوفمبر 2018، نشرت مجلة “دير شبيجل”، تقريرًا بعنوان: مستندات تثبت خطة سرية لإقامة دوري خاص بأندية النخبة. وبالطبع كان بينتو مصدر هذه المعلومات. 

وفقًا للتقرير، الذي تضمن رسائل بريد إلكترونية بين مسؤولي أهم 12 ناديًا أوروبيًا في 2017، اتضحت رغبة المسؤولين في الخروج من تحت مظلة الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، بحثًا عن جني عوائد مالية أكبر، عبر تقديم بطولة مميزة أقل توقعًا من بطولات الدوريات الأوروبية المملة. 

والمفاجأة كانت، أن نادي ريال مدريد كان قد قدّم مسودة عمل لـ16 ناديًا أوروبيًا توضّح طريقة إقامة هذا الدوري الخاص بأندية النخبة، على أن تكون انطلاقته الفعلية في عام 2021. وهو ما حدث بالفعل. 

مجرم؟ 

لقد غيرت التسريبات حياتي.

روي بينتو. 

 

الأزمة الحقيقية في قصة بينتو يمكن تلخيصها في معضلة “روبين هود”؛ لأنه وفقًا لوجهة نظر القانون مجرم إلكتروني، أما بوجه عام، فهو شاب قرر أن يقوم بتحذير الرأي العام من الفساد الذي أحكم قبضته على اللعبة الشعبية الأولى في العالم. 

في الواقع، لم تخل قضية بينتو من الغموض، حيث اتهم بجانب تسريبه لبيانات سرية بابتزاز مجموعة من مسؤولي كرة القدم، وحتى إن لم يثبت ارتكابه لمثل هذا الفعل، كما يصر، يرى بيبو روسو، خبير علم الاجتماع المختص المهتم بكرة القدم، أن كثير من الأشخاص المؤثرين في عالم كرة القدم يريدون أن يروا بينتو داخل السجن مهما كلّف الأمر. 

حقيقة، ربما لم يستطع روي بينتو تغيير عالم كرة القدم للأفضل كما حلم، وربما دفع ثمن قراره بتتبع الفساد وحده، لكن الأكيد، أنّه كان سببًا في أن ينظر العالم للوجه القبيح من كرة القدم، الذي ندرك تمامًا وجوده، لكن بينتو قدَّم لنا الأدلة التي تجعلنا أكثر من مجرد محبين لليوتوبيا. 

 

مصادر: 

1- https://www.theguardian.com/football/2019/mar/05/rui-pinto-criminal-or-whistleblower-the-story-of-the-man-behind-football-leaks

 

2- https://www.spiegel.de/international/world/football-documents-show-secret-plans-for-elite-league-of-top-clubs-a-1236447.html

 

3- https://archive.ph/n3Cj4

 

4- https://archive.ph/mHvIv

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى