ثقافة ومعرفة

زرياب الموصلي.. هل كان سببا لعمار الأندلس أم لسقوطها؟

زرياب الموصلي الأندلسي؛ هو لمن لا يعرفه مطرب الأندلس وصاحب فن الموشحات، يعرفه الكثير من سكان المغرب العربي، مجده الغرب وقالوا عنه الرجل الذي نقل الحضارة إلى بلاد الأندلس، بينما يرى البعض أنه أحد أهم أسباب سقوط الأندلس، لذلك دعونا نلقي نظرة على زرياب الأندلسي، ونتعرف على هذا الرجل المثير للجدل.

من هو زرياب الأندلسي؟

هو علي بن نافع أبو الحسن الملقب بزرياب، مولى المهدي العباسي نابغة الموسيقى في زمنه، كان شاعرًا مطبوعًا ببعض الفنون من الطبيعية وغيرها، عارفًا بأحوال الملوك وسير الخلفاء ونوادر العلماء، اجتمعت فيه صفات الندماء وكان حسن الصوت.

أخذ الغناء ببغداد عن إسحاق الموصلي وغيره وغنى في صباه بين يدي هارون الرشيد، سافر إلى الشام ومنها إلى الأندلس وقد سبقته إليها شهرته. (كتاب الأعلام للزركلي، ج5، ص28)

لم يذكر المؤرخون شيئا عن أسرة زرياب وأصله ونسبه، وعن نشأته والتعاليم التي تلقاها قبل الغناء، بينما ذكر بعض المستشرقين المهتمين بحضارة الأندلس مثل “ليفي بروفنسال” أن أصل زرياب كردي من جزيرة بوتان (تقع على نهر دجلة عند الحدود التركية العراقية) ويبرر سبب تسميته بالموصلي أنه لو كان عربيا لنسب لقبيلته مثل سائر العرب في ذلك الوقت.

وأيًا كان أصل زرياب فالحقيقة المؤكدة أنه هاجر إلى بلاد الأندلس ونشر فكره وثقافته بها، ولكن قبل التطرق إلى رحلة صعود زرياب يجب أن نتعرف على طبيعة الحياة في الأندلس.

اقرأ أيضًا: بديع الزمان الهمذاني مؤسس فن المقامات”

المجتمع الأندلسي في ظلّ الإسلام

زرياب الأندلسي
زرياب الأندلسي

حكم المسلمون الأندلس 8 قرون منذ فَتْحِها، بقيادة طارق بن زياد وموسى بن النُصير، عام 92هـ وحتى سقوطها عام 897هـ، وقد تقلبت دولة الإسلام في الأندلس خلال هذه القرون بين الضعف والقوة، والنصر والهزيمة، وربما يرجع بعض مؤرخي الأندلس سبب هذه التقلبات لطبيعة التركيبة السكانية التي كان لكل منها طابع متميز، فقد كان المجتمع الأندلسي بعد الفتح الإسلامي يتكون من عدّة طبقات؛ منها:

  • البلديّون: وهم العرب الذين فتحوا إسبانيا مع موسى بن نُصير.
  • الشوام: وهم الذين بعث بهم الخليفة هشام بن عبد الملك بقيادة القائد “بلج بن بشر” لإخماد ثورات البربر في بلاد المغرب العربي.
  • البربر: وهم أولئك الذين عبروا الأندلس مع القائد طارق بن زياد.
  • المسالمة: وهم الإسبان الذين اعتنقوا الدين الإسلامي.
  • المولّدون: وهم الذين ولدوا في ظل الإسلام من أبناء المسالمة.
  • المستعربون: وهم الإسبان الذين ظلوا على نصرانيّتهم ولكنهم اندمجوا مع الثقافة العربية.
  • الصقالبة: وهم طبقة العبيد الذين كانوا يجلبون من قبل تجار الرقيق ويباعون في أسواق إسبانيا.
  • اليهود: يهود الأندلس كانوا يُعامَلون في ظل حكم دولة القوط معاملة العبيد، وبعد الفتح الإسلامي أصبحوا مواطنين لهم حقوق مثل غيرهم.

حال أهل الأندلس قبل زرياب

هذه التركيبة السكانية المختلفة تخللها العديد من الخلافات والثورات، ولكنها شهدت استقرارا كبيرا في عهد ولاة الدولة الأموية منذ مجيء القائد الأموي عبد الرحمن الداخل إلى الأندلس وقد استمرت الدولة الأموية بالأندلس 178سنة.

وهي تُعتبر أزهى عصور الحضارة العربية في الأندلس كما ذكر لنا المقريزي في كتابه (السلوك لمعرفة دول الملوك) يقول المقريزي عن أهل الأندلس : “وأمَّا حال أهل الأندلس في فنون العلم، فَهم أحرص الناس على التمييز، فالجاهل الذي لم يوفقّه الله للعلم يجاهد ليتميز بصنعة، ويربأ بنفسه أن يُرى فارغًا عالةً على النّاس؛ لأنَّ هذا عندهم في نهاية القبح، والعالم عندهم معظم من الخاصة والعامة، يُشار إليه ويحال عليه، وينبه قدره، ويعظم عند الناس ويكرم في جوار أو ابتياع حاجة، وما أشبه”.

هكذا كان المجتمع الأندلسي على الفطرة مجتمع بكر بسيط يسعى لتعلّم القرآن الكريم وعلومه، والسنة النبوية وشروحها والشعر العربي.

لكن تلك التركيبة المختلفة كانت تشتاق لحضارة الشرق، وتنجذب لكل ما هو آت من بلاد الشرق، وربما يكون هذا سبب إقبال أهل الأندلس على زرياب الآتي من حاضرة الدولة العباسية.

زرياب ورحلته إلى الأندلس

كان زرياب في أول أمره تلميذًا لإسحاق الموصلي الذي قيل إنه موسيقي هارون الرشيد، ويقال إنه أبدى من البراعة ما لفت إليه نظر الرشيد، فشعر إسحاق الموصلي بالغيرة من تلميذه النابه فهدده بالقضاء عليه، فهرب زرياب من بغداد وذهب إلى القيروان وهناك اكتسب لقب زرياب وهو يعني الطائر الأسود المغرد، وانتشر صيته ووصل إلى الأندلس فاستقدمه الأمير عبد الرحمن الأوسط، فوفد إلى قرطبة واستقبله الأمير استقبالًا حفيًا ورتب له راتبًا كبيرًا، وقد بالغ الأمير عبد الرحمن الأوسط في الإغداق على زرياب، وربما كان الغرض من هذه المبالغة الإيحاء للمشارقة بأن الأندلس بلد الرخاء.

كان زرياب يمتلك شخصية جذابة وحديثه شيق، وقد حفظ العديد من الحكايات الشيقة والقصص والأساطير التي كان يقصها على الناس في أوقات السمر في مجالس قرطبة، كما كان ينظم الشعر، وكان يعقد مجالس الغناء في بيته وكان يؤلف أغانيه ويلحنها، ويغني هو وأبناؤه الستة وبناته الاثنتان، وأصبح حديث أهل الأندلس كلها، فقد حفظ الأطفال والشباب من النساء والرجال أغاني زرياب، وأصابهم الفتور والهمة عن طلب العلم وحفظ القرآن الكريم، ولم يكتف زرياب بالغناء ونشره بين أهل الأندلس، ولكنه قام نشر ثقافته في كافة ربوع الأندلس.

ماذا فعل زرياب بأهل الأندلس؟

زرياب الأندلسي
زرياب الأندلسي

قبل مجيء زرياب كان أهل الأندلس لا يعرفون الغناء، لكن الأمر اختلف بعد وصوله، وكان لزرياب اليد العلى في انتشار الغناء، ولم يكتف بذلك فقد قام بالعديد من الأعمال منها:

  •  اخترع مضارب العود من قوادم النسر، وكان يصنع من الخشب.
  • إنشاء مدرسة لتعليم الغناء والطرب (يماثل معهد الموسيقي العربية)، واخترع الموشحات (وهو شكل جديد للغناء مختلف عن ما تعلمه في العراق).
  • كان المطبخ الأندلسي بسيطا في أكلاته يعتمدون على العصائد والثرائد، فأدخل عليه العديد من التعديلات، فأدخل كثيرًا من الخضر كالهندباء والكمأة، كما أضاف أصنافا كثيرة عرفت باسمه مثل الزرابية والتي تحور اسمها إلى الزلابية المعروفة الآن، ويقال إنه علّم أهل قرطبة أرقى أنواع الطهي البغدادي.
  • علم أهل الأندلس كيف يرتدون الصوف في الشتاء، والقطن، الكتان في الصيف، وفي الربيع يكون موسم الملابس المصنوعة من الحرير، كما عدل في هيئات الثياب فقصرها وضيق الأكمام.

زرياب مؤسس فن الإتيكيت

زرياب الأندلسي
زرياب الأندلسي

كان أهل الأندلس يأكلون في أوانٍ مصنوعة من الفخار ويأكلون بأيديهم، لكن زرياب غير من هذه العادات وعلم أهل الأندلس الأكل على الموائد، واستعمال الملاعق والسكاكين بدلا من الأصابع، والأكل في أوانٍ من الزجاج والخزف الملون، كما علمهم وضع الزهور والمياه في كؤوس من زجاج على المائدة، واستخدام المناشف لمسح الأيدي والفم أثناء تناول الطعام.

زرياب يدرس فن التجميل

أسس زرياب مدارس علم فيها الناس العديد من فنون التجميل منها:

  • درس قصات للشعر، فقد اخترع تقصير شعر الرجال في الجانبين، وإرساله وراء الأذن، وابتكر للنساء قصات شعر عرفت باسمه مثل إنزال الشعر على الجابين مع قصه في موازاة الحواجب.
  • تفنن في تدريس العطور وأنواعها، كما اخترع العديد من العطور المصنوعة من الزهور.
  • علم الناس استخدام وصنع مزيلات العرق.
  • علم الناس استخدام معجون الأسنان الذي كان يصنعه.

زرياب سبب سقوط الأندلس

هكذا يراه البعض رغم سقوط الأندلس بعد وفاة زرياب بمئات السنين، ويرجع السبب في ذلك إلى أنه بعد أن وطئت قدم هذا الشرقي أرض الأندلس، هبت رياح من المتعة والحياة الفاخرة في قرطبة، فكان له تأثير ملموس في المجتمع الأندلسي، ولم يكن هذا التأثير مقتصرًا على صنعة الغناء وما يتعلق بها، فقد تعدى إلى كافة مناحي الحياة في الأندلس.

البعض عاب على “الأمير عبد الرحمن الأوسط” تركه زرياب الأندلسي يفعل ما يشاء بأهل الأندلس دون أن يراجعه، فقد جعل زرياب الناس يهتمون بالمظاهر، تركوا جوهر الإسلام واستبدلوا مجالس العلم بالاستماع إلى المعازف ومجالس الغناء، وانتشرت مجالس الرقص وكان الرقص في البداية للرجال وانتقل للنساء، وانغمس أهل الأندلس في ملذات الدنيا حتى سقطت الأندلس مثلما سقطت بغداد.

وفاة زرياب

توفي علي بن نافع في ربيع الأول عام 238 هـ الموافق أغسطس 852 م قبل وفاة الأمير عبد الرحمن الأوسط بأسابيع قلائل. (معالم تاريخ المغرب والأندلس، حسين مؤنس، ص332_3359)

المصدر
المصدر 1

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى