ثقافة ومعرفة

جدار برلين.. وكيف أدى خطأ سوفيتي إلى انهياره؟

بأحد أيام أغسطس من العام 1961، تم بناء جدار برلين ليفصل ما بين الجزء الشرقي والغربي لألمانيا، أو بمعنىً أوضح، من أجل منع الألمان الشرقيين من أن يعبروا الحدود الغربية، حيث الفرص والظروف المعيشية الأفضل، بالتالي، وبين ليلة وضحاها، تفرقت العائلات، وانقسمت الأحياء، البعض أصبح شرقيًا بائسًا، والآخر غربيًا منعمًا. 

قصة جدار برلين

جدار برلين
بقايا جدار برلين.

مع انتهاء الحرب العالمية الثانية، اتفقت القوى العظمى الناشئة مثل الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي ‑المتعارضة أيديولوجيًا- على تقسيم أوروبا إلى مناطق نفوذ، وفي عام 1945، تم تقسيم العاصمة الألمانية المهزومة برلين إلى 4 مناطق، حيث احتلت الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا الجانب الغربي للمدينة، بينما سيطر السوفيت على الجانب الشرقي وتم الفصل بينهما بذلك الجدار، المعروف بجدار برلين.

في العقود التالية، تحول جدار برلين من جدار بسيط تعلوه الأسلاك الشائكة إلى جدارين مفصولين بمساحة لا يسمح لأحد الاقتراب منها تعرف بـ«شريط الموت»، وهناك فقد الكثير من الألمان الشرقيين حيواتهم أثناء محاولتهم العبور إلى ألمانيا الغربية، ولكن كان هذا الجدار أكثر من مجرد حاجز مادي، بل يرمز إلى «الستار الحديدي»، وهي الاستعارة التي استخدمها ونستون تشرشل لتقسيم أوروبا.

ومع ذلك، وبقدر ما بدا جدار برلين غير قابل للاختراق، إلا أنه بعد أقل من 30 عامًا تعرّض للانهيار، ولكن خلف هذه الحادثة التي شهدتها ألمانيا بالعام 1989 عوامل عدة، ربما يبدو من المهم أن نتطرق للحديث عنها الآن.

حركات ثورية

بحلول عام 1989، كانت دول الكتلة السوفيتية لأوروبا الشرقية تشهد اضطرابات متزايدة وصعود حركات التضامن، ومن أبرز هذه الحركات؛ نقابة عمالية بولندية تسمى «التضامن»، وهي حركة تأسست في عام 1980، وكانت ضالعة في تنظيم عدد من الاحتجاجات في جميع أنحاء بولندا، ونجحت في نهاية المطاف في إجبار القيادة الشيوعية ببولندا على إضفاء الشرعية على النقابات، قبل أن تستطيع الحصول على مقاعد بالبرلمان البولندي بحلول العام 1989 عقب انتخابات حرة.

من جهة أخرى، كانت ألمانيا تشهد اضطرابات مماثلة، بداية من عام 1989، كان سكان برلين الشرقية يجتمعون كل أسبوع في احتجاجات سلمية تُعرف باسم «مظاهرات الاثنين»، داعين إلى هدم الجدار الحدودي، وهم يهتفون «يسقط الجدار!»، ولم يرغب الألمان فقط في إزالة الجدار، لكنهم طالبوا بالسماح لجماعات المعارضة السياسية وإجراء انتخابات حرة كما طالبوا بحرية التنقل، وظلت هذه الاحتجاجات تنظم بصفة دورية، حتى تضخم عدد المتظاهرين إلى 500 ألف بحلول نوفمبر من ذلك العام.

من جهة ثالثة، كانت صعوبة الحياة في ظل الحكم السوفيتي بأوروبا دافعًا لتبني نفس الأفكار بأماكن متفرقة، مثل إستونيا وليتوانيا ولاتفيا وجورجيا، الذين طالبوا بالتغيير أيضًا، وفي نفس الوقت، كانت الحركات المطالبة بالتغيير تنعم بمباركة حقيقية من رونالد ريغان، رئيس الولايات المتحدة شخصيًا، والذي طالب علنًا من السوفيت إزالة الجدار العازل.

سياسات جديدة

جدار برلين
القائد السوفييتي ميخائيل جورباتشوف.

أدرك القائد السوفيتي ميخائيل جورباتشوف أن هناك حاجة إلى تغيير النهج والسياسات المتبعة في حكم الاتحاد السوفيتي ضمانًا لاستمرار السيطرة على الدول التي تشهد اضطرابات واحتجاجات ضد السياسات التعسفية، وفي محاولة لإظهار النية الحقيقية لذلك التغيير، شجعت سياسات جورباتشوف المتمثلة في الانفتاح وإعادة الهيكلة التعامل مع الغرب، والشروع في مساعدة الأعمال الصغيرة التي قد تساعد اقتصاد الاتحاد السوفيتي المتدهور في النجاة، في خضم سباق التسليح الذي يخوضه مع الولايات المتحدة الأمريكية.

منحت سياسات الاتحاد السوفييتي الجديدة اسم «عقيدة سيناترا»، وسميت على هذا الاسم تيمنًا بأغنية الأمريكي «فرانك سيناترا» الشهيرة (I Did It My Way)، وتقوم السياسة الجديدة على فكرة واحدة، تطبق بكل دويلات الاتحاد السوفيتي، والتي تم الاتفاق عليها بمؤتمر وارسو، وهي أن كل دولة سوفييتية عليها أن تسيطر على شؤونها الداخلية، حتى تصبح الشيوعية الأوروبية مستدامة.

على النقيض؛ شهد ميدان تيانمين بالصين، أحداث قمع قام بها الجيش الصيني ضد أولئك المحتجين من أجل التحرير، مما أظهر أن الحكومات الشيوعية لم تكن خائفة من استخدام القوة لقمع الاضطرابات، في الواقع؛ قتل الاتحاد السوفيتي 21 من متظاهري الاستقلال في جورجيا، ومع ذلك، وعلى الرغم من انتشار المظاهرات في جميع أنحاء الكتلة السوفييتية، كان غورباتشوف غير راغب إلى حد كبير في استخدام العنف لقمع المحتجين كجزء أساسي من «عقيدة سيناترا».

نحو جدار برلين

كان رد حكومة ألمانيا الشرقية على الاضطرابات والاحتجاجات المتصاعدة هو تخفيف السيطرة على الحدود، لكن دون أن تكون هنالك حرية كاملة في التنقل بين الألمانيتين، لكن وعن غير عمد، وتحديدًا في 9 نوفمبر 1989، تحدث المتحدث باسم الاتحاد السوفيتي غونتر شابوفسكي إلى الصحفيين، وأخبرهم بنية الحكومة في فتح الحدود بين الغرب والشرق، معلنًا عن غير قصد أن بإمكان الناس عبور الحدود منذ تلك اللحظة وبدون تأشيرات.

في الواقع، كان من المفترض أن تدخل سياسة الحدود حيز التنفيذ في اليوم التالي، بمجرد أن يتاح للمسؤولين الوقت لتنظيم أنفسهم، ولسوء حظ شابوسكي، فإن الأخبار القائلة إن الناس يمكن أن يسافروا آنذاك «بدون شروط مسبقة» ظهرت على شاشات التلفزيون في جميع أنحاء أوروبا وجذبت الآلاف على الفور إلى جدار برلين.

المطارق والأزاميل

جدار برلين
إسقاط جدار برلين.

وصلت الحشود إلى جدار برلين بأعداد هائلة طبقًا لحديث شابوسكي الصحفي، ما وضع الحراس الذين وضعتهم السلطة لحماية الحدود في أزمة إنسانية، حيث كانوا بين نارين، إما فتح الحدود ومخالفة الأوامر التي تقتضي بفتح الحدود جزئيًا بعد يوم واحد، أو الانتصار للإنسانية، وترك الحشود تعبر من الحدود، لتجتمع العائلات التي فرقها ذلك الجدار.

في هذه اللحظة، قرر هارولد جاغر، أحد الحراس المسؤولين عن تأمين الحدود، فتح البوابات، على الرغم من اندهاشه هو الآخر من تصريحات شابوسكي، لكنه كان قد أدرك أنه لا بد من تغليب الجانب الأخلاقي، خاصة وأنه من غير المنطقي التعامل بوحشية وقمع ضد هذه الأعداد الهائلة من البشر الذين تدفقت صوب الجدار بسبب التصريحات التي نقلت إليهم.

في هذا الأثناء، قام سكان برلين بضرب الجدار بالمطارق، وذلك يدل على إحباط جماعي من رمز التقسيم، المتمثل في هذا البناء، ومع ذلك، فإن الهدم الرسمي للجدار لم يتم حتى 13 يونيو 1990، وقتئذ، أعلنت بداية النهاية للكتلة السوفيتية والاتحاد والحرب الباردة، فطوال 27 عامًا، قسم جدار برلين أوروبا ماديًا وأيديولوجيًا إلى نصفين.

ومع كل ذلك، فلم يكن جدار برلين ليسقط إلا إذا اجتمعت كل تلك العوامل بآن واحد، بداية من الاحتجاجات المنظمة، مرورًا بسياسات جورباتشوف، وصولًا إلى خطأ المتحدث باسم الاتحاد السوفييتي، الذي قاد الآلاف في نفس الوقت لهدم رمز التفريق العنصري بين أبناء الشعب الواحد.

الكاتب
المصدر
مصدرمصدر 1

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
قل ودل فعّل التنبيهات واحصل على جديد موقع قل ودل أولا بأول
Dismiss
Allow Notifications