ثقافة ومعرفة

كيف ساهم «طريق الحرير» في ازدهار التجارة عبر القارات قديما؟

كان طريق الحرير عبارة عن شبكة من طرق التجارة التي تربط الصين والشرق الأقصى بالشرق الأوسط وأوروبا، التي تأسست عندما افتتحت أسرة «هان» في الصين التجارة رسميًا مع الغرب في عام 130 قبل الميلاد، وظلت شبكة طريق الحرير مستخدمة حتى عام 1453 ميلاديًا، عندما قاطعت الإمبراطورية العثمانية التجارة مع الصين وأغلقتها. 

تاريخ طريق الحرير

أرسل الإمبراطور «هان وو» مبعوثًا إمبراطوريًا يدعى «تشانغ تشيان» لإجراء اتصالات مع الثقافات في آسيا الوسطى في عام 138 قبل الميلاد، وقد نقلت تقاريره عن رحلاته معلومات قيمة عن الأشخاص والأراضي الواقعة في الغرب لكن نقل البضائع والخدمات على طول هذه الطرق يعود إلى أبعد من ذلك.

الطريق الملكي، الذي يربط سوسة (إيران حاليًا) على بعد أكثر من 1600 ميل غربًا بساردس (تركيا الحديثة)، أنشأه الحاكم الفارسي داريوس الأول خلال الإمبراطورية الأخمينية، قبل افتتاح طريق الحرير بنحو 300 عام.

قام الفرس بتوسيع الطريق الملكي ليشمل طرقًا أصغر تربط بلاد ما بين النهرين بشبه القارة الهندية وكذلك شمال إفريقيا عبر مصر، بينما قام الإسكندر الأكبر، حاكم مملكة مقدونيا اليونانية القديمة، بتوسيع سيطرته إلى بلاد فارس عبر الطريق الملكي، حيث تم دمج أجزاء من الطريق في نهاية المطاف بطريق الحرير.

ما هي أرض الحرير؟

طريق الحرير
خريطة طريق الحرير.

بدأت طرق التجارة بين الشرق والغرب بين اليونان والصين في الانفتاح خلال القرنين الأول والثاني قبل الميلاد، حيث استفادت الإمبراطورية الرومانية وإمبراطورية كوشان (التي حكمت الأراضي في ما يعرف الآن بشمال الهند) من التجارة التي أنشأها الطريق على طول هذه المسافة.

يعتقد علماء اللغات أن الكلمة المرادفة للصين في اللغة اليونانية القديمة هي «سيريس»، والتي تعني أرض الحرير، لكن على الرغم من هذا الارتباط الواضح من حيث الاسم، لم يُصغ مصطلح «طريق الحرير» حتى عام 1877، عندما استخدمه الجغرافي والمؤرخ الألماني «فرديناند فون ريشتهوفن» لأول مرة لوصف طرق التجارة، بينما يفضل المؤرخون الآن مصطلح «طرق الحرير»، والذي يعكس بشكل أكثر دقة حقيقة وجود أكثر من طريق واحد.

حزام اقتصادي

تضمنت طرق الحرير شبكة كبيرة من المراكز التجارية والأسواق والشوارع ذات المواقع الاستراتيجية المصممة لتبسيط نقل البضائع وتبادلها وتوزيعها وتخزينها، على الرغم من أن اسم الطريق مشتق من شعبية الحرير الصيني بين التجار في الإمبراطورية الرومانية وأماكن أخرى في أوروبا، إلا أن الحقيقة هي أن الحرير لم يكن المادة المهمة الوحيدة التي يتم تصديرها من الشرق إلى الغرب.

حيث تضمنت التجارة على طول ما يسمى بالحزام الاقتصادي لطريق الحرير الفواكه والخضروات والماشية والحبوب والجلود والأدوات والأشياء الدينية والأعمال الفنية والأحجار الكريمة والمعادن، وربما الأهم، اللغة والثقافة والمعتقدات الدينية والفلسفة والعلوم.

تحوُّل تاريخي

طريق الحرير
اختراع الورق (الصين).

تم اختراع الورق في الصين خلال القرن الثالث قبل الميلاد، وانتشر استخدامه عبر طريق الحرير، قبل أن يصل أولاً إلى سمرقند نحو عام 700 ميلاديًا، قبل أن ينتقل إلى أوروبا عبر الموانئ الإسلامية آنذاك في صقلية وإسبانيا.

عزز وصول الورق إلى أوروبا حدوث تغيير صناعي كبير، حيث أصبحت الكلمة المكتوبة شكلاً رئيسيًا من أشكال الاتصال الجماهيري لأول مرة في التاريخ، حيث لم يكن البشر قد عرفوا من قبل طريقة للتدوين سوى الكتابة على الألواح الثابتة، لذلك، سمح اختراع الأوراق لحدوث تطوُّر منطقي، نتج عنه اختراع «مطبعة جوتنبرج»، التي كانت أول مطبعة تسمح للبشر بإنتاج أعداد ضخمة من الكتب المنسوخة، بأقل تكلفة ودون الحاجة لمجهود مئات المدونين، مما أتاح تبادلًا أوسع للأخبار والمعلومات.

صناعة الحرب

يعتقد أنّ لطريق الحرير أثرًا سلبيًا لا يقل ضخامةً عن تأثيره الإيجابي على الشعوب التي تبادلت الثقافات والأفكار وحتى الديانات، حيث يعتقد المؤرخون أن البارود الذي يعود اكتشافه واستخدامه للصين، قد تم تصديره بالفعل على طول طرق الحرير إلى أوروبا، حيث تم تكريره بشكل أكبر لاستخدامه في المدافع في إنجلترا وفرنسا وأماكن أخرى في القرن الثالث عشر.

بذلك، كان للدول القومية التي تتمتع بإمكانية الوصول إليه مزايا واضحة في الحروب، وبالتالي كان لتصدير البارود تأثير هائل على التاريخ السياسي لأوروبا، وبالتبعية أثر تدميري أكبر، وآلية قتل أكثر فاعلية مقارنةً بالأسلحة المتاحة بذلك الوقت.

اقرأ أيضًا: قايتباي وأبرز قلاع أفريقيا التاريخية»

أهم السلع التجارية التي تبادلها العالم

طريق الحرير
تجارة العبيد.

يرى العلماء المعاصرون أن طرق الحرير استمرت في تمكين التجارة عبر القارات حتى حلت التجارة البحرية محل القوافل البرية في القرنين السابع عشر والثامن عشر، بينما يعود الفضل في استمرارها كشبكة تجارية صامدةً لقرون إلى 5 من أهم السلع التجارية التي غذت التبادل الثقافي بين شرق العالم وغربه.

الحرير

طبقًا لـ«شين وين»، مؤرخ الصين في العصور الوسطى وآسيا الداخلية بجامعة برينستون، أن الحرير، الذي تم إنتاجه لأول مرة في الصين منذ 3000 قبل الميلاد، كان العنصر المثالي للتجارة البرية للقوافل التجارية والدبلوماسية التي ربما سافرت آلاف الأميال للوصول إلى وجهاتها.

حسب وين، حمل الصينيون في رحلاتهم الحرير عبر هذه الطرق لأنه يتوافق مع قدراتهم الاستيعابية المحدودة، إضافة إلى كونه أحد السلع الأقل وزنًا، متعددة الاستخدامات، كما أنه كان الأكثر قيمة، بالتالي يمكن اعتباره أفضل ما يقدمه الشعب الصيني كبطاقة تعريف للعالم المقابل.

وبالفعل، اعتبرت النخبة الرومانية الحرير الصيني نسيجًا رقيقًا فاخرًا، وبعد ذلك، عندما تم جلب تكنولوجيا صناعة الحرير إلى البحر الأبيض المتوسط، ابتكر الحرفيون في دمشق المنسوجات الحريرية القابلة للعكس.

لكن الحرير كان أكثر من مجرد ملابس بالنسبة للصينيين، ففي الثقافات البوذية، يتم تحويله إلى لافتات أو استخدامها كقماش للرسومات، وفي في مستوطنة طريق الحرير المهمة في تورفان في شرق الصين، تم استخدام الحرير كعملة، حسب المؤرخ «فاليري هانسن»، بينما تم جمع الحرير كشكل من أشكال الضرائب خلال حكم أسرة «تانغ».

الخيول

تم تدجين الخيول لأول مرة في سهول آسيا الوسطى نحو العام 3700 قبل الميلاد، وساعد ذلك في نقل القبائل البدوية التي قامت بالصيد والغارات عبر مناطق شاسعة تحد الصين والهند وبلاد فارس والبحر الأبيض المتوسط، وبمجرد إدخال الحصان في المجتمعات الزراعية، أصبح أداة مرغوبة للنقل والزراعة وسلاح الفرسان.

كانت تجارة الحرير مقابل الخيول من أهم التبادلات طويلة الأمد على طريق الحرير، حيث استبدل التجار والمسؤولون الصينيون براغي الحرير بالخيول المرباة جيدًا من السهوب المنغولية وهضبة التبت، وبدورها، كانت النخب البدوية تثمن الحرير على المكانة التي يمنحها أو السلع الإضافية التي يمكن أن تشتريها.

كانت الخيول سلعة عالية القيمة ومنخفضة الوزن يطمح في امتلاكها نخبة العالم «الأوراسي»، والدليل على ذلك، احتواء مقبرة «تشي هوانغ»، إمبراطور الصيني (259–210 قبل الميلاد) على تماثيل لـ520 حصانًا، إضافة لـ150 أخرى مجسمة لخيول الفرسان.

«اقرأ أيضًا: 6 مواصفات تميز الخيول العربية الأصيلة»

الورق

تم اختراع الورق في الصين في القرن الثاني قبل الميلاد، وانتشر لأول مرة في جميع أنحاء آسيا مع انتشار البوذية، أما في عام 751 ميلاديًا، تم إدخال الورق إلى العالم الإسلامي عندما اشتبكت القوات العربية مع أسرة «تانغ» الصينية في معركة «تالاس»، بعد ذلك أمر الخليفة هارون الرشيد ببناء مصنع للورق في بغداد ليدخل بذلك صناعة الورق إلى مصر وشمال إفريقيا وإسبانيا، ثم وصل الورق أخيرًا إلى أوروبا في القرنين الثاني عشر والثالث عشر.

على طريق الحرير، حمل المسافرون وثائق ورقية تُستخدم كجوازات سفر لعبور أراضي البدو أو قضاء الليل في الواحات الموجودة على الطريق، لكن أهم وظيفة للورق على طول الطريق كانت نقلها للنصوص الفكرية وكتب الدين الخاصة بمختلف الحضارات، لذلك اعتبر الطريق أنه كان بمثابة قناة لنشر الأفكار المختلفة والتفاعلات الثقافية، التي اعتمد معظمها على الورق.

التوابل

كانت التوابل من شرق وجنوب آسيا، مثل القرفة من سريلانكا وكاسيا من الصين، عناصر تجارية غريبة ومرغوبة، لكنها لم تنتقل عادةً عبر الطرق البرية لطريق الحرير، بدلاً من ذلك، تم نقل التوابل بشكل أساسي على طول الطريق البحري القديم الذي يربط بين مدن الموانئ من إندونيسيا غربًا عبر الهند وشبه الجزيرة العربية.

تم تقييم التوابل لاستخدامها في الطهي، ولكن أيضًا في الاحتفالات الدينية ولأغراض الطبية، وعلى عكس الحرير، الذي يمكن إنتاجه في أي مكان يمكن فيه إبقاء ديدان الحرير على قيد الحياة، تم اشتقاق العديد من التوابل من النباتات التي تنمو فقط في بيئات محددة للغاية، ما جعل قيمة التوابل أعلى، لأن إنتاجها أصعب.

تجارة العبيد

بشكل مأساوي، كان العبيد «سلعة تجارية» شائعة على طول طريق الحرير، حيث كانت الجيوش المهاجمة تأخذ الأسرى وتبيعهم للتجار من القطاع الخاص، وكان المشترون في الموانئ النائية والعواصم من دبلن في الغرب إلى شاندونغ في شرق الصين.

طبقًا لبعض المؤرخين، حين كان الاستعباد منتشرًا في أوراسيا ما قبل الحداثة على طول طريق الحرير، لا يمكن تصنيف أي من هذه الممالك أو المجتمعات على أنها «قائمة على العبيد» بنفس الطريقة التي كانت تعمل بها تجارة الرقيق الإفريقية في العالم الجديد، بل كان العبيد أشبه بزخرفة لحياة النخبة وليسوا مصدرًا اقتصاديًا رئيسيًا.

أخيرًا؛ ربما لم يعد طريق الحرير مهمًا في عصر قد تصل به الطائرة لأي مكانٍ، وتتنقل الأفكار في ثوانٍ عبر نقرات على لوحة المفاتيح، لكنه ربما كان سببًا ضمن أسباب متعددة، قادت أجدادنا للتواصل مع مختلف الحضارات.

المصدر
مصدر مصدر 1

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
قل ودل فعّل التنبيهات واحصل على جديد موقع قل ودل أولا بأول
Dismiss
Allow Notifications