ثقافة ومعرفة

كيف أدخلت تجارة التبغ أمريكا في حرب أهلية؟

يعود تاريخ استخدام التبغ في الأمريكتين إلى أكثر من 1000 عام حيث كان السكان الأصليون في المنطقة يمضغون أو يدخنون أوراق النبات المعروف الآن باسم “Nicotiana rustica” في الشمال و”Nicotiana tabacum” غالبًا في الجنوب.

بداية استخدام التبغ

التبغ

نما هذا النبات في البرية ولكن تمت زراعته من قبل السكان الأصليين لاستخدامه في الطقوس الدينية وحفلات الصيد حيث كان يُعتقد أنه يوسع العقل ويزيد من الأحاسيس بشكل عام، لكن بعد عام 1492 ميلاديا، حول الاستعمار الأوروبي لجزر الهند الغربية وأمريكا الجنوبية والوسطى تركيز التبغ إلى الاستخدام الترفيهي، في حين تحول التبغ بمنتصف القرن الـ15 الميلادي إلى السلعة التصديرية الأكثر ربحًا بالنسبة للمستعمرات الإسبانية والبرتغالية بالأمريكتين.

بهذه الفترة، كان سر التبغ “Nicotiana tabacum” حكرًا على الإسبان، وكان مُحرمًا على أي شخص مشاركة البذور أو النباتات مع غير الإسبان، وتم اعتبار الأمر -إن حدث- مخالفًا للقانون، لكن مع بدء بريطانيا في استعمار الأمريكتين بمنتصف القرن الـ16، استطاع بعض قادتها العودة محملين ببعض أقدم أنواع التبغ، وبذلك تحول التبغ بأنواعه إلى سلعة ترفيهية واسعة الاستخدام بأوروبا.

كيف أثرت زراعة التبغ على الحياة الاجتماعية؟

التبغ
العبودية

أدى الانخفاض في ممارسة العبودية بالسخرة بعد 1676 ميلاديا بالأمريكتين، والعمل المكثف المطلوب لمحاصيل التبغ، إلى زيادة استيراد العبيد الأفارقة واستعباد الأمريكيين الأصليين، ومع ازدياد شعبية التبغ، وتأسيس المزيد من الأعمال التجارية لزراعته وبيعه، كانت هناك حاجة إلى المزيد من الأراضي والمزيد من العبيد، وبهذا أصبح المحصول الربحي هو محور الحياة بالأمريكتين حيث استمر في تغذية الاقتصاد الاستعماري، وساهم في الاضطرابات التي أدت إلى حرب الاستقلال الأمريكية، وزيادة التوترات التي انتهت باشتعال الحرب الأهلية الأمريكية.

كان التبغ، إلى جانب “الإخوة الثلاثة” (الفول والذرة والكوسة) والبطاطا والطماطم، من بين أهم المحاصيل التي زرعها السكان الأصليون قبل الاستعمار الأوروبي للأمريكتين، واعتبر النبات مقدسًا وكان يتم تدخينه أو مضغه بشكل متكرر باعتباره مثبطًا للشهية ومنبهًا للأغراض الطبية ولإتاحة التواصل مع عالم الروح، لكن ومع وصول كريستوفر كولومبوس إلى كوبا، عرض عليه السكان الأصليون التبغ كهدية، واستولى كولومبوس على المصنع وصدره إلى إسبانيا حيث وجد سوقًا كبيرًا.

أسس كولومبوس النظام الإقطاعي الذي وفر للسكان الأصليين الحماية من بط ورجاله، في مقابل العمل، لذلك أصبح التبغ أحد المحاصيل الرئيسية التي يتم حصادها في المزارع الاستعمارية الكبيرة، ومع نمو الطلب على النبات في أوروبا، عمل السادة الإسبان على استعباد السكان الأصليين بشكل أكبر.

وهذا ما أقر به الكاهن الإسباني “بارتولومي دي لاس كاساس” عند وصفه لوحشية الإسبان ضد السكان الأصليين بالأمريكتين، في كتابه “رواية قصيرة عن تدمير جزر الهند”، قائلًا: “في ظل حكم طاغية إسباني، شنق أكثر من 200 هندي أنفسهم، عوضًا عن المعاناة مع العبودية”.

على كُلٍ، كان الإسبان قد صقلوا النبات الأصلي بحيث أصبح يدخن بسهولة وله طعم أكثر متعة، وهذا بالطبع جعله أكثر شهرة في الخارج، وفي عام 1561، عاد الدبلوماسي الفرنسي جان نيكو دي فيلمان (1530-1604)، الذي كان متمركزًا في لشبونة، إلى فرنسا مع نباتات التبغ، حيث قدم التبغ إلى المحكمة الفرنسية كدواء يمكن أن يعالج الصداع ويهدئ الأعصاب، آنذاك أصبح التبغ شائع الاستخدام في الأديرة، وأخيراً بين الناس بشكل عام، ومن ثم كوفئ نيكوت بالتاج الفرنسي وأطلق اسمه على العنصر النشط في التبغ، النيكوتين، وبذلك ازدادت معاناة السكان الأصليين بالأمريكتين، نظرًا لتطلب السوق الجديد في فرنسا جهودًا أكبر في الإنتاج في الأمريكتين.

التبغ والعبودية بالتفصيل

كما ذكرنا، كان العمل داخل مزارع التبغ بالسخرة، بمعنى أن يعمل الأشخاص طواعيةً أو إجبارًا عند سيدهم لمدة 7 سنوات مقابل السماح لهم بالعبور إلى ما يُعرف بالعالم الجديد، ولكن مع توسُّع المزارع، أصبح السادة في حاجة إلى مزيد من العمالة، وهو ما جعل أحد الأفكار تتجلى داخل عقول بعض السادة وأصحاب المزارع، عبر شراء بعض العبيد الأفارقة، الذين يمتلكون استعدادًا للعمل بالسخرة داخل مزارع التبغ، هربًا من العبودية بقلب إفريقيا.

يبدو أن هؤلاء العبيد الأوائل قد عوملوا بشكل مختلف عن أولئك الذين تم إحضارهم إلى المستعمرة فيما بعد، على الرغم من أنه من المغري افتراض أن هؤلاء الأفارقة الذين تم تسجيلهم لأول مرة في أمريكا الإنجليزية كانوا أيضًا العبيد الأوائل، إلا أن هناك أدلة تشير إلى أنهم لم يكونوا كذلك، حيث كان لديهم وضع قانوني للخدمة مقابل عتق، مثل العديد من الوافدين البيض، المؤهلين للحصول على الحرية بعد إكمال فترة الخدمة.

ثورة

مع نمو الطلب الأوروبي على التبغ، كانت هناك حاجة إلى المزيد من الأراضي للمزارع، وبالتالي، كان لا بد من إزالة المزيد من الأمريكيين الأصليين من أراضيهم، وثانيًا، كانت هناك حاجة إلى المزيد من الأفارقة كعبيد.

أصبحت مستعمرات ماريلاند ونورث كارولينا أكبر منتجين للتبغ بعد فرجينيا، وبحلول أوائل القرن الثامن عشر الميلادي، كان الثلاثة يصدرون آلاف الأرطال من التبغ إلى أوروبا كل عام.

في هذه الأثناء، لم يشجع النظام الملكي البريطاني إنتاج القطن في المستعمرات بسبب السياسة الاقتصادية للمذهب التجاري (الذي يوازن الصادرات على الواردات) لذلك أصبح التبغ هو المحصول النقدي الأساسي، وعلى الرغم من أن جيمس الأول، ملك إنجلترا، اعترض على زراعة التبغ، إلا أنه لم يستطع أن يجادل في الأرباح واكتفى بفرض ضرائب على التبغ بدلاً من حظره.

تطورت التجارة بشكل كبير، حيث قام مزارعو التبغ بختم منتجاتهم بأختام للتعرف عليها، وأصبحت بعض المزارع معروفة بتبغ أفضل من غيرها، وكانت شحنات التبغ تصل إلى لندن حيث يتم التعامل معها من قبل التجار، الذين سيدفعون لعلامة تجارية واحدة من التبغ بسعر أعلى من غيرها.

بسبب كساد أسواق لندن، وجد المزارعون أنفسهم في مأزق، حيث تراكمت عليهم الديون، وبحلول 1750، تم استخدام التبغ في المستعمرات كعملة وبالتالي يمكن لتجار لندن المطالبة بدفع القروض المستحقة على هيئة تبغ، حين يجد المزارعون أنفسهم غير قادرين على الدفع نقدًا، وساهم هذا الموقف في الغضب الذي شعر به المستعمرون تجاه سياسات إنجلترا في المستعمرات وشجع التمرد الذي أصبح بعد ذلك الحرب الثورية الأمريكية.

حروب التبغ

التبغ
الحرب الأهلية الأمريكية

استمر التبغ في تشكيل ملامح اقتصاد وسياسات الولايات المتحدة حتى القرن التاسع عشر الميلادي، وعندما أصبحت الولايات الشمالية أكثر تحضرًا وميلًا للصناعة، تقلصت العبودية بشكل كبير، نظرًا لعدم الحاجة لعمالة بشرية، ومع ذلك، استمرت الولايات الجنوبية في الاعتماد على العبيد في العمل في حقول التبغ والقطن، وتم شحن البضائع الجنوبية بشكل متكرر إلى الشمال وفرضت عليها ضرائب، لكن شعرت الولايات الجنوبية أنه لا شيء يأتي من الشمال إليها كتعويض، لذلك، أدت الخلافات حول التجارة العادلة ودفاع الولايات الجنوبية عن العبودية في النهاية إلى احتدام الصراع.

انفصلت الولايات الجنوبية عن الاتحاد الذي تم تشكيله بعد الثورة، معلنة نفسها كيانًا منفصلاً، تحت مسمى الولايات الكونفدرالية الأمريكية، في حين ردت الولايات الشمالية بتعريف هذا العمل بأنه تمرد وهكذا بدأت الحرب الأهلية الأمريكية، التي انتهت بهزيمة الولايات الجنوبية بحلول 1865، ونتج عنها إلغاء العبودية تمامًا، وأصبح القانون ينص على منح العمال أجور عادلة مقابل عملهم.

في النهاية؛ كان ذلك التاريخ المختصر لما يمكن تعريفه بزراعة التبغ، الذي استخدم بعد ذلك في صناعة السجائر، التي حاولت الدول قديمًا بشتى الطرق منع استخدامها، عبر قوانين أو بفرض ضرائب مرتفعة على مستخدميها، إلا أن كونها تجارة رابحة جعل كفة تجارها أعلى دائمًا، لتظل مكافحتها مقتصرة على الترويج لأضرارها، ومنع الشركات المنتجة لها من الترويج الدعائي لمنتجاتها.

المصدر
مصدر مصدر 1

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى