رياضة

كيف أنهت المراهنات زمن التلاعب الكلاسيكي بالمباريات؟

في منتصف مايو 2023، أعلن الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم إيقاف “إيفان توني”، مهاجم نادي برينتفورد لثمان أشهر وتغريمه 5 آلاف جنيهًا استرلينيًا بعد انتهاكه لقواعد المراهنات الخاصة بالاتحاد. 

اعترف “توني” لاحقًا بارتكابه ما يدنو من 230 مخالفة لقواعد الاتحاد الإنجليزي الخاصة بتداخل عناصر اللعبة المحترفين في المراهنات. 

تعد هذه الحادثة واحدة من ضمن آلاف الحوادث التي شهدت تورُّط لاعب كرة قدم محترف، أو مدرب، أو حكم في ما يمكن تعريفه بـ”ضبط نتائج المباريات”، لكن حتى نضعك أمام الصورة كاملةً، نحن في 2023، حيث تلعب مكاتب المراهنات دورًا أكبر من مجرّد مساعدة فريق أو آخر بالتلاعب في تحقيق نتائج رياضية مميزة. 

مرحبًا بك في عصر التلاعب “الإلكتروني” بالمباريات. 

لماذا نحن هنا؟ 

 تبادر إلى ذهنك الآن مجموعة من الأحداث السيريالية؛ رجل أعمال ثري، يطالب لاعب أو مجموعة من اللاعبين أن يخسروا المباراة القادمة بصوت أجش، مقابل حصول كل منهم على مبلغ ضخم من المال لم يكونوا ليحصلوا عليه إذا ما استمرت مسيرتهم الرياضية لمئة عام. 

ربما يمكنك أيضًا استبدال اللاعبين بالحكام، أو الإداريين، أو أي عنصر يمكنه التأثير بشكل حقيقي على نتائج المباريات. 

في الواقع، هذا التخيُّل صحيح بشكل كبير، طبقًا لقوانين الاحتمالات، ربما لا يزال هذا الأسلوب متبعًا في بقعة ما على هذه الأرض. 

في 2016، فجّرت مجموعة من لاعبي منتخب السلفادور قنبلة مدويّة، حين خرجوا في مؤتمر صحفي معلنين عن تلقيهم عرضًا ضخمًا مقابل تحقيق نتيجة إيجابية أمام منتخب كندا في التصفيات المؤهلة لكأس العالم 2018. 

كان رجل الأعمال السلفادوري الذي عرض هذا العرض على اللاعبين مجرد وسيطًا لرجل أعمال هندوراسي آخر، يرغب في الحفاظ على حظوظ منتخب بلاده في الصعود لكأس العالم قائمة. 

حقيقةً، كانت تلك أحدث الفضائح “الكلاسيكية” التي تم الكشف عنها، لأنّه للمفارقة، لا يمكننا التأكُّد من عدد الحوادث المشابهة، سوى بعد الكشف عن تفاصيلها. لكن على كُل حال، وبسبب الرأسمالية التي تطحن الجميع، ربما لم يعد هناك مكانًا لمثل تلك الطرق الكلاسيكية لضبط نتائج المباريات؛ أولًا لأن النقل المباشر لمعظم الدوريات الكبرى جعل المخاطرة أكبر، وثانيًا وهو الأهم أن العائد من هذا التلاعب إن وُجد قد لا يغري لاعبًا يتقاضى آلاف اليوروهات إسبوعيًا. 

 عصر المراهنات السهلة 

المراهنات

حتى تتضح الصورة كاملة، لم يعد الأمر متعلقًا بالنتائج الرياضية؛ لأنّها لم تعد الدافع الذي يحث أي شخص على ما يمكن تعريفه بالتلاعب. على سبيل المثال، بأبسط العبارات، فإن التلاعب بنتائج المباريات هو عندما يتآمر اللاعبون أو المدربون أو المسؤولون لضمان انتهاء المباراة بطريقة معينة، سواء كان ذلك فوزا أو تعادلا أو خسارة لفريق أو آخر. انتهى هذا العصر، وبدأ عصر جديد أكثر تعقيدًا مما نتخيّل. 

لقد تقدمت المقامرة على كرة القدم إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، ويمكن للمراهنين الآن المراهنة على كل شيء بدءا من وقت تسجيل الأهداف، وهامش الهزيمة أو الفوز، وعدد البطاقات الصفراء أو الحمراء، واللاعب الذي يسجل أولا وحتى عدد الركلات الركنية في المباراة. كل شيء حرفيًا. 

لذلك، فالتلاعب لصالح النتائج الرياضية لم يعد مغريًا، واستبدل بسوق ضخمة جدًا، وهي سوق مكاتب المراهنات، حيث يكفي أن يمتلك الشخص هاتف ذكي، يضع توقعه لأي حدث، وينتظر الأرباح أو الخسائر. 

طبقًا لآخر التقديرات، بلغت قيمة “بيزنس” المراهنات الرياضية حول العالم  نحو تريليون ونصف يورو، منها 165 مليون على أقل تقدير من أرباح التلاعب. مجددًا، هذا ما تم الكشف عنه فقط. 

إلي أين؟ 

المراهنات

بالعودة مجددًا لعام 2016، تلاعب الحكم الغاني “جوزيف لامبتي” بمباراة السنغال وجنوب إفريقيا، بعد احتسابه لركلة جزانا مشبوهة لصالح “البافانا بافانا” لولا اكتشاف الحادثة. 

طبقا لتوم ميس، الرجل الذي يعمل لصالح شركة “سبورتس رادار” المتخصصة في مراقبة نزاهة عمليات المراهنات حول العالم، لم يكن لامبتي ينوي التلاعب لصالح فريق من الفريقين، لكن النظام الذي تعمل الشركة بواسطته كشف عن وضع رهانات بعينها بين الدقيقتين الـ13 والـ42. وهو الأمر الذي أثار الشكوك. 

هذه هي الخدعة ببساطة، تعمل عصابات المراهنات حول العالم بطريقة سهلة، صعبة التتبع، وهي عبر الاتفاق مع أي عنصر من عناصر اللعبة، على القيام بحدث مهم، بعدما توضع معظم الرهانات الكبيرة قبل انتهاء المباراة، ثم تضع هذه العصابات رهاناتها المُعدة مسبقًا، بالتالي أرباح خيالية بلا أية مخاطر تُذكر. 

في تقرير مفزع لمجلة “فور فور تو”، نقل الكاتب “سكوت ماكلينتير”، مجموعة من أبرز حوادث التلاعب بالنتائج التي عرفها تاريخ كرة القدم. لكن المثير أن أبرز هذه الحوادث لم يكن تلاعبًا من الأساس. فكيف ذلك؟ 

في عام 2010، قامت إحدى الشركات بتنظيم مباراة بين منتخبي توجو والبحرين. النتيجة المنطقية وقتئذٍ هي فوز توجو، التي كانت فريقًا أقوى بكل وضوح من البحرين، وهذه هي الخدعة. بعدما وضعت الرهانات الأكبر على هذه النتيجة، يفاجأ الجميع بانتصار ساحق لمنتخب البحرين؛ لأنّه لم يواجه فريق توجو من الأساس، بل مجموعة مزيفة من اللاعبين، لا يعلم الاتحاد التوجولي أي شيء عنهم أو عن المباراة من الأساس. 

في نفس التقرير، ينقل الكاتب حادثة هزلية من بيلاروسية، حين اتفقت وكالتي مراهنات على تنظيم مباراة بين فريقين بيلاروسيين، لكن المشكلة كانت أنّ المباراة لم تُلعب من الأساس. هذه الحيلة تعرف باسم “Ghost Match”. مباراة لم ولن تُلعب، يتم الإعلان عنها، بل والإعلان عن تفاصيلها لحظة بلحظة على مواقع التواصل الاجتماعي، توضع الرهانات من قبل المراهنين قبل المباراة، وفي النهاية يضع منظموها الرهانات الصحيحة. تخيلت؟ أرباح قياسية بلا أي مجهود.

يضعنا ذلك أمام حقيقة واحدة، وهي أنّ التلاعب القائم على مصلحة رياضية حتى وإن كان موجودًا لم يعد مهمًا بحسابات الأرباح والخسائر المتوقعة، والأهم أنّه يجعل نظرية المؤامرة تتسع وليس العكس، لأننا أمام “مافيا” حقيقية، يمكنها أن تؤثر على نتائج المباريات بالفعل دون وجود أي نية حقيقية منها لخدمة طرف بعينه على حساب الآخر، والأهم دون وجود أي آلية مستدامة لعرقلة هذا التلاعب. 

المصادر:

 

١- إيقاف إيفان توني ٨ أشهر لخرقه قواعد المراهنات الخاصة بالاتحاد الإنجليزي. 

 

٢- تلقي لاعبي منتخب سلفادور رشوة للتلاعب بمباراة بتصفيات كأس العالم. 

 

٣- كيف يتم التلاعب بالمباريات عن طريق مكاتب المراهنات؟  

 

٤- قيمة أرباح المراهنات الرياضية تريليون ونصف يورو. 

 

٥- صناعة “ضبط المباريات”. 

 

٦- ١٠ من أسوأ فضائح التلاعب بمباريات كرة القدم 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى