رياضة

كيف ساهمت الأندية الأوروبية في تراجع مستوى كأس أمم إفريقيا؟

مع انتهاء دور المجموعات من منافسات كأس الأمم الإفريقية 2023، المقامة في ساحل العاج، ظهرت المستويات بين الـ24 منتخب المشاركين في البطولة متقاربة جدًا؛ مما أدّى إلى ظهور باهت لبعض منتخبات النخبة الإفريقية، بل وخروج بعضها من الدور الأول للبطولة. 

هل يكمُن السِّر في تطوُّر المنتخبات الصغيرة؟ في الحقيقة، وحتى وإن سلّمنا بالطفرة التي حققتها بعض منتخبات إفريقيا الصغيرة مثل: الرأس الأخضر، موريتانيا، غينيا الاستوائية وغيرها، يجب ألا نغفل حقيقة ابتعاد نفس هذه المنتخبات من حيث جودة الأفراد إذا ما عقدنا مقارنة بينها وبين منتخبات مثل مصر، غانا، الجزائر والكاميرون.

والسؤال: ما الذي أصاب كبار إفريقيا؟ 

لدينا إجابة ساخرة، توضِّح حجم التشتت الذي يصيبك فور علمك بخروج منتخبات السنغال، مصر، الجزائر، غانا، الكاميرون، وتونس، قبل انتهاء دور الـ16 من البطولة. 

قام أحد مستخدمي تويتر بنشر تغريدة يتساءل فيها عن نفس الظاهرة قائلًا: يذهب يايا توريه إلى بطولة إفريقيا، فيتحوَّل بين ليلة وضحاها إلى باكايوكو. وإن لم تكن تعلم من هو باكايوكو، فلك كل الحق؛ لم ينجح الفرنسي في إثبات نفسه في أي من رحلات الإعارة التي طافت به أوروبا، حتى تحوَّل إلى مُزحة تستخدم للتعبير عن سوء المستوى. 

المهم، كان رَد “كارل أنكا”، صحفي ذي أثليتيك الأمريكية، على هذا المستخدم، حيث قال: “كأس الأمم الإفريقية مثل كنيسة، الكثير يذهبون إليها، لكن القليل جدًا يفهم ما يدور بداخلها”. 

لماذا نحن هنا؟ 

في حواره مع “BBC World Football Podcast” في يناير 2022، حاول المدرِّب الفرنسي المُخضرم “كلود لوروا”، والذي سبق وأن أشرف على منتخبات إفريقية عدة مثل: غانا، الكاميرون، توجو، والكونغو الديمقراطية، أنّ يشرح السبب في تراجع مستوى المنتخبات الإفريقية في دور مجموعات كأس الأمم الإفريقية عام 2021، التي أقيمت في الكاميرون. 

طبقا لـ”لوروا”، القصة مُفسَّرة؛ لأن الأندية الأوروبية، التي يلعب لها القوام الرئيسي لمعظم المنتخبات الإفريقية، أو على أقل تقدير أهم نجومها تم الإفراج عنهم للمشاركة في البطولة الإفريقية قبل إسبوع واحد من تاريخ انطلاقها. بالتالي، يغيب التناغم في المباريات الأولى لكل منتخب، أو بالأحرى، تكون المباريات الأولى بمثابة إعداد وتدريب قبل الدخول في أجواء المنافسة عمليًا؛ لأن المنتخبات الإفريقية لا تحظى برفاهية الاستعداد لوقت مناسب مثل المنتخبات الأوروبية قبل انطلاق بطولات اليورو. 

قد ترى أن هذه مبالغةً، لكن دعنا نرحل سويًا خارج القارّة السمراء، تحديدًا إلى القارّة العجوز، حيث يسير كل شيء كساعة سويسرية الصنع، حتى نتأكَّد من هذه الفرضية. 

في تقرير أعدّه “ميغيل ديلاني”، صحفي “إندبندنت” البريطانية، اتضح أن أزمة الإعداد تلك لم تنَل فقط من منتخبات القارة السمراء، بل تؤرق كبار القارة العجوز أيضًا. طبقا لديلاني، انزعج أحد المديرين الفنيين الكبار لأحد المنتخبات الأوروبية من عدم قدرة لاعب وسطه من تطبيق تعليمات الضغط التي يريد لأكثر من 20 دقيقة؛ لأنَّه يلعب لنادٍ يطبِّق نظامًا مغايرًا للضغط. 

في نفس السياق، يرى تياجو ألكانتارا، لاعب وسط منتخب إسبانيا، أنّ كرة القدم الدولية تختلف جذريًا عن كرة القدم التي تلعبها الأندية، لنفس السبب، وهو قلة الوقت المتاح لخلق تناغم مناسب بين عناصر الفريق الواحد. 

في الواقع، هذه الأزمة ليست مُستحدثة، ويتم التغلُّب عليها عادةً بالتركيز على بعض الأساسيات مثل: إتقان الكرات الثابتة، تنظيم الهيكل الدفاعي، ومن ثم الاعتماد على جودة الأفراد وقدرتهم على خلق لحظات استثنائية. المتغير الذي طرأ هو أن هذه الأساسيات لم تعد حكرًا على منتخبات النخبة فقط، لذا تبدو المستويات أكثر تقاربًا من ذي قبل. 

عن الرأسمالية والرجل الأبيض 

في الواقع، إذا كانت منتخبات أوروبا تعاني من ضيق الوقت المتاح قبل أي بطولة كُبرى، فحالة منتخبات إفريقيا لا يمكن وصفها سوى بالكارثة؛ فعلى أقصى تقدير، تُفرج الأندية الأوروبية عن لاعبيها الأفارقة قبل انطلاق كأس الأمم الإفريقية، التي تُلعب شتاءً لأسباب مناخية ولوجستية، بـ10 أيام. 

10 أيام، هي المُدة التي يراها مسؤولو كرة القدم حول العالم كافية جدًا للدخول في أجواء البطولة القارية الأهم لداكني البشرة. وإن كانوا يفضلون عدم ذهاب لاعبيها لهذه البطولة من الأساس. 

هذه الرؤية المتناقضة تنُم عن نظرة دونية للقارة بأسرها، والتي أصبحت أهم بطولاتها مصدر إزعاج؛ لأن النادي الأوروبي يدفع راتب اللاعب الإفريقي، الذي يجب أن يكون حاضرًا مع فريقه خلال أوقات العمل الرسمية “الأوروبية”. 

لكن لحظة، هل تعلم كم هو عدد المباريات التي يتوقَّع أن يغيب عنها اللاعب الإفريقي المشارك في كأس الأمم الإفريقية المقامة شتاءً؟ 4 مباريات فقط. 4 مباريات، جعلت “دي لاورينتس”، رئيس نادي نابولي الإيطالي، يُصرِّح علنًا أنّه لن يقدم على التعاقد مع لاعب إفريقي في المستقبل إلا إذا تضمن عقده بندًا ينُص على عدم لعبه لكأس الأمم. 

دائرة مُفرغة

السؤال الآن: هل إذا قررنا أن نتحايل على الطبيعة، لنجعل لعب بطولة قارية إفريقيا في الصيف كما يريد صديقنا الأبيض، ستنتهي الأزمة؟ مفاجأة، الإجابة هي قطعًا لا. 

في تقرير مُفصَّل، كشف “ديفيد ويلز”، الطبيب السابق لنادي أرسنال الإنجليزي، أنّ البطولات الدولية المُقامة صيفًا قد تُدمِّر موسم اللاعب. لكن كيف؟ 

طبقًا للطبيب الإنجليزي، البطولات المقامة صيفًا تقتطع من وقت راحة اللاعبين الموسمية السلبية، التي تسبق فترة الإعداد للموسم الجديد. هنا يصبح الطاقم الفنّي أمام خيارٍ من ثلاثة، أفضلهم سيء. 

الحل الأول هو تقليص إجازة اللاعب السلبية وإشراكه فور عودته من تمثيل المنتخب في فترة الإعداد، ما يعني استنزافه بدنيًا وذهنيًا. أما الحل الثاني، هو منحه إجازته السلبية كاملةً، ثم إشراكه في فترة إعداد أقصر وقتًا من المطلوب، وهذا يعني انهياره بدنيًا دون شك في النصف الثاني من عمر الموسم الرياضي. أما الحل الثالث، هو الأكثر استخدامًا، هو أن تسير الأمور كما يُفترض، حيث يحصل اللاعب على راحته السلبية كاملةً، ثم يخوض فترة إعداد كاملة، وفي النهاية يتم إشراكه في المباريات. 

هل تعلم كم عدد المباريات التي سيغيب عنها اللاعب في الحالة الثالثة؟ بالضبط، نفس الـ4 مباريات التي يغيبها اللاعب المُشارك في كأس الأمم الإفريقية المقامة في الشتاء. 

لذا، في المرّة المُقبلة، لا تنجرف مع سيل تصريحات المدربين الأوروبيين حول موعد انطلاق بطولة كأس الأمم الإفريقية، لأنها لا تتعدى رغبة غريبة في التحكُّم. وفي المرة المقبلة أيضًا، ربما لن تجد حاجة لتفسير لتراجع مستوى المنتخبات الكبيرة في كأس الأمم؛ لأن “رَب العمل” لن يمنح موظفه فرصة لكي ينسجم أكثر مع زملائه كي يظهر بمستوى مناسب.  

المصادر:

1- كلود لوروا: كأس الأمم الإفريقية ستتحسن مع مرور الوقت.

2- لماذا تعد كرة القدم الدولية لعبة مختلفة تمامًا؟

3- كيف يُعطل كأس العالم موسم الأندية الأوروبية؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى