رياضة

«لعنة جوتمان» التي حرمت بنفيكا من المجد الأوروبي لمئة عام

بالعودة للعام 1990، جلس رجل مُسَّن بالقرب من أحد القبور بالعاصمة النمساوية «فيينا» يبكي، خافضًا رأسه، يتمتم ببعض كلمات لم تكُن واضحة، أثناء قراءته الخاطفة للعبارات التي تركها زائرون سابقون مكتوبة على «شاهد القبر»، تلمع عيناه بنظرة مزجت من بين الأمل واليأس، طمعا في أن يحدث، ما يستحيل أن يحدث.

قد يبدو هذا المشهد من نسج خيالنا، لكن ربما أقدم عليه كهل مُتبم بشعار «بنفيكا» عانى الأمرّين من أجل أن يشاهد فريق شبابه يتوج بلقب أوروبي، بعدما شاهد بأم عينه فريقه يفشل في التتويج بنهائيات أوروبية، بسبب اللعنة التي أطلقها المجري «بيلا جوتمان»، مدرب الفريق الأسبق، الذي غادر الفريق بعد العام 1962، متوعدًا إدارة النادي ‑آنذاك- بأن عودة بنفيكا لمنصات التتويج الأوروبي لن تتم قبيل 100 عام من لحظة رحيله.

بالطبع؛ لا يمكننا تصديق مثل تلك الخرافات، حتى وإن كانت كل الشواهد تثبت تحققها على أرض الواقع، فإن كُنت أحد مشجعي الفريق البرتغالي، فالوصول إلى نهائي البطولات الأوروبية لا يعتبر إيذانا ببدء الاحتفالات، لأن السواد الأعظم من الجمهور يعلم أن هنالك أمرا ما سيحدث ليعكر صفو مشوار الفريق، أيًا ما كانت الأسماء، المنافسين، وحتى أماكن إقامة المباريات.

في العام 2014، كان بنفيكا على موعدٍ مع خسارة ثامن ألقابه الأوروبية منذ رحيل جوتمان عند مواجهته لإشبيلية الإسباني في نهائي الدوري الأوروبي، وطبقًا لتقرير المباراة الذي قدمته صحيفة الـ«إندبندنت»، فإن بنفيكا كان الأفضل داخل اللقاء الذي امتد للأشواط الإضافية، قبل أن ينتهي بفوز إشبيلية بركلات الترجيح بنتيجة 4–2.

كانت تلك المباراة صادمة جدًا لعناصر الفريق ومدربه «خورخي خيسوس»، لأنها كانت النهائي الثاني تواليا قبل خسارة نهائي الموسم الذي سبقه ضد تشيلسي الإنجليزي بسيناريو أكثر درامية، حيث خسر المباراة في آخر أنفاسها وتحديدًا في الدقيقة 93، عن طريق المدافع الصربي للبلوز «برانيسلاف إيفانوفيتش».

"لعنة غوتمان.. عندما توقفت مسيرة نادي بنفيكا لشبونة البرتغالي في كرة القدم؟ "

رأى مدافع الفريق ‑آنذاك- البرازيلي «لويزياو» أن الفريق قد حارب للفوز بمنتهى القوة، إلا أن جهودهم افتقرت فقط للقليل من التوفيق حتى يتحقق التتويج المنتظر منذ أكثر من 50 عاما، في حين سفّه مدرب الفريق وكل لاعبيه من أحاديث الصحافة حول علاقة اللعنة الخاصة بـ«جوتمان» بخسارة النهائيين.

كيف بدأت لعنة جوتمان؟

ولد بيلا جوتمان لعائلة يهودية تعيش بالمجر عام 1899، حاله كحال والديه، عمل في سنوات شبابه الأولى كمدرب للرقص، قبل أن يتحول للتركيز على لعب كرة القدم عبر بوابة فريق «MTK Hungaria» الذي ساعده في حصد لقبي الدوري المحلي المجري، قبل أن يفر «جوتمان» إلى النمسا هاربا، بعد تصاعد نغمة معاداة السامية في شرق أوروبا.

في ظل صعود قوي للزعيم الألماني «أدولف هتلر» كان حياة اليهود في أوروبا صعبةً، لذلك تعتبر مسيرة جوتمان اللاعب والمدرب متمحورة حول فكرة الحرب، التي لا نعلم كيف فرّ من ويلاتها، لذلك وطبقًا لـ«جوناثان ويلسون»، مؤلف كتاب الهرم المقلوب، فقد كان جوتمان ناجحا جدًا وموهوبا للغاية، لكن حياته كانت تحمل شيئا من الغموض والتراجيديا، والتي لربما تكون بسبب هذه الفترة الصعبة التي عاشها.

بيلا جوتمان المدرب كان رجلا صعب المراس، وهو صاحب مقولة.. «طريقي أو الطريق السريع»، وهي عبارة توضّح مدى تمسّكه بأفكاره ومعتقداته، وتشرح أنه لا يمكن أن يتنازل عن أي مطلب له مهما كلفه ذلك.

درّب بيلا قائمة طويلة من الأندية بداية من العام 1935 لحين اعتزاله التدريب تماما في 1973، وفي كل هذه المحطات كان القاسم المشترك هو الخلافات التي كانت طالما تحدث بينه وبين الإدارات.

في العام 1953 تولى المدرب المجري قيادة ميلان الإيطالي، وبالفعل قاد الفريق ف موسمه الثاني لاعتلاء جدول ترتيب الدوري بعد مرور 19 جولة، عندئذٍ، قدم طلبا للإدارة يعبر فيه عن رغبته في أن تُقلص فترة عمله، وكردٍ على ذلك، قرر مجلس إدارة النادي إقالته، في حدث مفاجئ، ليعلق هو على ذلك قائلا.. «لقد تمت إقالتي، على الرغم من أنني لم أقترف أي ذنب، لست مجرمًا، وداعا».

بعد هذه الحادثة بعقد كامل، كان المدرب الأسطوري الذي طوّر بهذه الفترة كرة القدم في البرازيل وأرسى قواعد تكتيكية بالتعاون مع الاتحاد المحلي مكنت السيليساو من حصد لقب كأس العالم 1958، يشرف على تدريب بنفيكا البرتغالي، ويمنح مشجعيه مجدًا لم يسبقهم إليه أحد ‑سوى ريال مدريد- فبعدما أقصى 20 لاعبا فور تعيينه مدربا للفريق واستقدام غيرهم، استطاع جوتمان أن يفوز مع بنفيكا بلقبي دوري أبطال أوروبا مرتين متتاليتين موسم 1961 و1962.

يقول «بين شافي»، الخبير بالكرة البرتغالية، إن علاقة بيلا جوتمان بإدارة بنفيكا كانت معقدةً من اليوم الأول، الأمر الذي اتضح جليا بعد التتويج الأوروبي الثاني، حين طلب جوتمان ‑طلبا مشروعا- بزيادة راتبه، من الرئيس المنتخب حديثا (فيزاس فيتال).

عند هذه اللحظة، وبعد قرار فيدال بعدم استمرار جوتمان كمدرب للفريق، وحسب تعبير شافي، كان ذلك بمثابة الإعلان عن أن بنفيكا لن يفوز ببطولة أوروبية مجددا.

"لعنة غوتمان.. عندما توقفت مسيرة نادي بنفيكا لشبونة البرتغالي في كرة القدم؟ "

أخيرًا؛ حاول جمهور بنفيكا استرضاء روح جوتمان الذي توفي بفيينا عام 1981 بشتى الطرق، عبر وضع أكاليل الزهور فوق قبره، أو البكاء ندما على ذنب اقترفه فيتال بلحظة طيش، وحتى وصل الأمر إلى ذهاب الأسطورة البرتغالية «إيزيبيو» الذي كان يلعب تحت قيادته في 1962، من أجل الصلاة كي تنفك هذه العقدة التي لازمت الفريق.

قد تكون اللعنة ليست سببا حقيقيا بكل أمانة، إلا أن جمهور كرة القدم يؤمن بمثل تلك الخرافات، فقد آمن جمهور فريق «بوسطن ريد سوكس» للبيسبول  لـ86 عاما بأن الفريق مصاب بلعنة «بامبينو» الذي رحل عن الفريق في ظروف مشابهة، لذلك يبدو أنه على جماهير بنفيكا إما الصبر حتى تنتهي الـ100 عام، أو المحاولة مرات أخرى، لعلها خرافة كمثيلاتها.

الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى