ثقافة ومعرفة

مسجد السلطان حسن.. معجزة العمارة الإسلامية في الشرق

يعد مسجد السلطان حسن واحدا من أكبر المساجد في العالم الذي تم بناؤه في منتصف القرن الرابع عشر الميلادي، وهو يعد فخر العمارة الإسلامية القديمة حيث قل وجود ما يضاهيه في العظمة والجمال.

إذا حالفك الحظ وذهبت لزيارته، فسوف تشعر بأنك ركبت آلة الزمن وانتقلت بك إلى الماضي لأكثر من 1000عام مضت، هنا ينتابك شعور رائع هو مزيج من الإعجاب والدهشة وتتساءل كيف يمكن بناء مثل هذا المبنى الهائل في ذلك الوقت؟ 

جولة في مسجد السلطان حسن

مسجد السلطان حسن.. معجزة العمارة الإسلامية في الشرق

مسجد السلطان حسن درة العمارة الإسلامية قال عنه المقريزي في كتابه (المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، ج1): «لا يُعرف في بلاد الإسلام معبد من معابد المسلمين يُحاكي هذا الجامع، وقبته التي لم يبن بديار مصر والشام والعراق والمغرب واليمن مثلها أيضا هي مدرسة السلطان حسن»، كما قال عنه إنه إحدى عجائب آثار العالم كله.

يقع مسجد السلطان حسن في ميدان قلعة الجبل بالقرب من قلعة صلاح الدين الأيوبي، أمام المسجد يقع بجوار مسجد الرفاعي، يبلغ طول المسجد حوالي 150 مترا ويغطي مساحة قدرها 7906 أمتار مربعة، ما يقرب من فدانين ويبلغ ارتفاع الجدران 36 مترا.

يعتبر باب مسجد السلطان حسن قمة العمارة الإسلامية، الباب ضخم مصنوع من الخشب، وجدران المسجد مزينة بأشكال كخلايا النحل وتبلغ أطول مئذنة في المسجد 68 مترا. كان مخططا له 4 مآذن لكن لم تبن سوى 3 مآذن وإحدى هذه المآذن انهارت. قبة المسجد مزينة بشكل المقرنصات وهي قبه مهيبة، والمدهش أن القبة مصنوعة من الخشب.

عندما تدخل مدرسة ومسجد السلطان حسن ستجد المدخل الذي تدخل إليه ضخما، وستدخل إلى ممرات مظلمة ومنخفضة السقف، إلى أن تدخل ساحة فناء كبيرة عبارة عن صحن أوسط مكشوف تتوسطه 4 إيوانات ويتخذ الشكل الخارجي شكل مستطيل غير منتظم الأضلاع له 4 واجهات تطل على 4 مناطق منفصلة لمدارس المذاهب السنية الأربعة، والتي تتوسطها نافورة مقببة للوضوء محمولة على 8 أعمدة رخامية مضلعة، وفوق الأعمدة رف مائل يحمى المصلين من أشعة الشمس.

مدرسة ومسجد السلطان حسن
مدرسة ومسجد السلطان حسن

أرضية صحن المسجد منخفضة عن أرضية الأبواب وذلك لدفع تيار الهواء لكل الإيوانات.

توجد ساقية بالمسجد لرفع المياه للمدرسة مع بئر بعمق 30 مترا، لتوصيل المياه العذبة للخزانات والمواسير والنافورة، ودورات المياه والمغاسل وكافة أرجاء المدرسة.

يلحق بالمدرسة 4 مدارس فرعية صغيرة كل مدرسة يدرس بها مذهب من المذاهب الفقهية الأربعة كل مدرسة تتكون من قاعة وسطى عبارة عن صحن مكشوف ثم إيوان، توجد بالمدرسة مئذنتان.

مكتوب فوق كل مدرسة «بسم الله الرحمن الرحيم أمر بإنشاء هذه المدرسة المباركة مولانا السلطان الشهيد المرحوم الملك الناصر حين ابن مولانا السلطان الشهيد المرحوم الملك الناصر محمد بن قلاوون وذلك في شهور سنة أربع وستين وسبعمائة». (مع ذكر المذهب المخصصة له المدرسة: الشافعي أو الحنفي)

يزين إيوان القبلة بشريط من الخط الكوفي والمزهر، ويحتوى إيوان القبلة أيضا في منطقة الصلاة الرئيسية على جانب واحد من هذه الساحة وخلفها الضريح.

هناك بعض الرخام الملون الجميل جدا في قاعة الصلاة وبعض الأعمال الخشبية المزخرفة في الضريح، ولكن بشكل عام لا يمكن أن نعتبرها مزخرفة مثل مسجد الرفاعي الأكثر حداثة والذي يقع في الجوار.

مدرسة ومسجد السلطان حسن
مدرسة ومسجد السلطان حسن

تاريخ المسجد وسبب نشأته

قبل معرفة سبب بناء مسجد السلطان حسن ومن هو منشئه يجب أن نلقي نظرة على الظروف التي حلت بالبلاد في تلك الفترة، بداية من نشأة المماليك وحتى نهاية منشأ المسجد ذاته.

المماليك هم الرقيق الأبيض الذين اعتمد عليهم حكام الشرق الأدنى الإسلامي (بالتحديد مصر وبلاد الشام)، في صراعهم ضد بعضهم البعض عقب وفاة الناصر صلاح الدين الأيوبي، وكان الحكام المتنازعون يشترون المماليك صغارًا في السن لينشئوهم تنشئة عسكرية، ومع الوقت ازداد نفوذ المماليك خاصتا بعد ما حققوه من انتصارات سياسية وعسكرية، ونجحوا في صد التهديدات التي كانت تهدد العالم الإسلامي من العدوان الصليبي ثم الخطر المغولي.

وكتب التاريخ للمماليك أنهم نجحوا في كسر الموجه التترية الطاغية عند عين جالوت بقيادة قطز، ولكن رغم كل هذه البطولات لم تكن لتشفع لهم أو تغير من نظرة المعاصرين لهم باعتبارهم عبيدًا لا يحق لهم الجلوس علي عرش البلاد، نظرًا لأن المتعارف عليه وقتها أن الحكم يجب أن يكون لإمام حر، وبالفعل لم يستقم لهم الأمر وكان الصراع على أشده مع الأيوبيين، وكان على سلاطين المماليك أن يبحثوا لسلطنتهم الوليدة عن سند شرعي يدعمون به حكمهم فوجدوا عند الخليفة العباسي غايتهم، وحصل الظاهر بيبرس كما ذكر (السيوطي، حسن المحاضرة، ج1) على تفويض ولقب بقسيم أمير المؤمنين، وقيام دولة المماليك كان قائما على القوة وليس التوريث، إنما آمنوا بمبدأ «الحكم لمن غلب» فأصبح كل أمير مملوكي يرى في نفسه الأحقية بقيادة البلاد، وتفرغ الأمراء لقتال بعضهم البعض للفوز بعرش السلطنة (المقريزي، السلوك، ج3).

وقد شهدت دولة المماليك قيام أسرة حاكمة على مدى 3 أجيال، وهي أسرة قلاوون، وقد تعاقب على عرش مصر 8 من أبناء قلاوون خلال 21 عاما حدث فيهم موجات من الاضطراب السياسي، كما أن حكم الكثيرين منهم انتهى بالقتل أو السجن على أيدي مساعديهم وكان أشهرهم السلطان حسن بن محمد بن قلاوون والذي جلس على العرش مرتين، الأولى بعد موت أخيه المظفر حاجي، وكان عمره وقتها لم يتجاوز 13 عامًا، ونظرًا لصغر سنه تحكم فيه الأمراء لمدة 3 سنوات. حدث خلالها طاعون مروع اجتاح البلاد من أقصاها إلى أقصاها أهلك الحرث والنسل، حتى قيل إنه كان يموت في اليوم الواحد ما بين 10 – 15 ألف نسمة. (عصر سلاطين المماليك، قاسم عبد قاسم، ط1، 1994)

وفي سنة 751 هجريا – 1350 م أعلن قاضي قضاة مصر أن السلطان حسن قد بلغ سن الرشد، ويحق له استرداد ملكه، وإدارة شؤون البلاد دون وصاية أو تدخل من أي أمير من أمراء المماليك. وما كاد السلطان يمسك بيده مقاليد الأمور وقرر الانتقام والقبض على من حجر عليه، فسارع باقي الأمراء إلى الاجتماع وقرروا خلعه قبل أن يشتد بأسه ويتخلص منهم بعد 9 شهور من حكمه، وبايعوا أخاه الملك صلاح الدين بن محمد بن قلاوون والغريب أنه كان فتى لم يتجاوز من العمر 14 عاما.

حُبس السلطان حسن 3 سنوات طوال فترة حكم أخيه الملك صلاح الدين، حتى عينه الأمراء مرة أخرى سلطان البلاد، وظل في بداية حكمه مغلوبا على أمره حتى صفى له الأمر مرة ثانية بالتخلص من الأمير صرغتمش، وقتها قرر السلطان حسن أن يخلد اسمه فأنشأ مسجدا ومدرسة لتدريس المذاهب الإسلامية وحفظ القران الكريم والقراءات، كان مكان المسجد قصرا للأمير يلبغا فقرر السلطان هدم القصر ليشيد المسجد مكانه، قيل إن السلطان حسن طلب مهندسين من أقطار الأرض وأمرهم بعمارة مدرسة لم يعمر أعلى منها فعمرت وهي عجيبة من عجائب الدنيا.

كانت البلاد تمر بظروف صعبة فقرر السلطان حسن تمويل المسجد من أموال وقف المسلمين، ومن أموال العقارات التي آلت ملكيتها للدولة بعد وفاة أصحابها جميعًا بسب الوباء الذي ضرب البلاد، تقول الروايات التاريخية إن بناء المسجد تكلف 20 ألف درهم يوميًا.

مسجد السلطان حسن.. معجزة العمارة الإسلامية في الشرق

نهاية السلطان الناصر حسن

استمرت مدة حكمه الثانية 6 سنين ونصف ثم انتهت بشكل مأساوي، قبض عليه الأمير المملوكي يلبغا، وبعدها اختفى دون أن يعثر له على جثته، ويقال إنه قذف به في النيل ولم يعرف له قبر حتى اليوم.

مات السلطان قبل اكتمال بناء المسجد، واكتمل بعد مقتله بعامين، حيث تابع بناءه أحد أتباعه وهو بشير أغا الجمدار. (ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة)

رحل صاحب المسجد ولكن المسجد ظل شاهدا على روعة المعمار والعمارة المملوكية، إذ يعد هرم الآثار الإسلامية، وإن كان لمصر القديمة أن تفخر بأهرامها فلمصر الإسلامية أن تفخر بمسجد السلطان حسن.

الكاتب

  • ماجستير في التاريخ، ليسانس آداب من جامعة القاهرة، حاصلة على دبلوم تربوي ودبلوم المعلومات والتوثيق، كاتبة في عدد من المواقع والصحف، من هوايتها القراءة والكتابة.

المصدر
مصدر 1مصدر 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
قل ودل فعّل التنبيهات واحصل على جديد موقع قل ودل أولا بأول
Dismiss
Allow Notifications