ثقافة ومعرفة

“معضلة بورتوريكو”.. هل هي ولاية أمريكية أم دولة مستقلة؟

بورتوريكو.. إقليم أمريكي، لا تصنف كولاية أمريكية تابعةً للولايات المتحدة الأمريكية، ولا كدولة مستقلة ولا تزال السياسة حول وضعها معقدة للغاية، وهذا ما نحن بصدد مناقشته.

نظرة على تاريخ بورتوريكو

تقع بورتوريكو على بعد حوالي ألف ميل جنوب شرق ولاية فلوريدا الأمريكية، وهي عبارة عن أرخبيل كاريبي له تاريخ استعماري معقد ووضع سياسي أكثر تعقيدًا، فبينما تعد إقليمًا تابعًا للولايات المتحدة، وسكانها -البالغ عددهم 3.2 مليون نسمة- هم مواطنون أمريكيون، ومع ذلك، وعلى الرغم من خضوعهم للقوانين الفيدرالية الأمريكية، لا يمكن للبورتوريكيين المقيمين في هذه الجزر التصويت في الانتخابات الرئاسية الأمريكية ويفتقرون إلى التمثيل في التصويت في الكونجرس.
معضلة بورتوريكو
بالعودة إلى القرن الـ15، تحديدًا نوفمبر 1493، وصل الرحالة البرتغالي كريستوفر كولومبوس إلى الساحل الغربي لبورتوريكو، وعرفت هذه المنطقة بإسم بوريكين آنذاك، وكانت مأهولة بالـ«تاينوس»، -السكان الأصليين- قبيل أن يطالب كولومبوس بأن يتم ضم هذه الجزيرة لإسبانيا، وتغيير اسمها إلى سان خوان باتيستا، وظلت الجزيرة لنحو 400 عام تحت الحكم الاستعماري الإسباني، وخلال هذا الوقت، عانى سكان الجزيرة من مستويات شديدة من الفقر والقمع وفرض الضرائب.
بحلول القرن التاسع عشر، ضاق المواطنون ذرعًا من هذه الظروف الصعبة، فبدؤوا بالثورة على ذلك الحكم، بل والمطالبة بالاستقلال عن الحكم الإسباني، وبينما قمع الجيش الإسباني التمرد، كان ذلك بمثابة نقطة تحول للجزيرة، حيث ولدت الأحزاب السياسية الوطنية، وألغيت العبودية وبدأت إسبانيا في منح بورتوريكو بعضًا من مظاهر الحكم الذاتي.
انتهت السيادة الإسبانية على الجزيرة في عام 1898، عندما أعلنت الولايات المتحدة الحرب على إسبانيا، وفي 25 يوليو 1898، غزت القوات الأمريكية بورتوريكو واحتلتها خلال أشهر الحرب الإسبانية الأمريكية، وبتوقيع معاهدة باريس في ديسمبر من نفس العام، انتهت الحرب، وتنازلت إسبانيا عن بورتوريكو للولايات المتحدة الأمريكية.

تحت الحُكم الأمريكي

بورتوريكو
مشاركة البورتوريكيين في الحرب العالمية الأولى.

في ظل حكم الولايات المتحدة، تم إنشاء حكومة عسكرية، حكمت المنطقة حتى 12 أبريل 1900، عندما تم إنشاء حكومة مدنية للجزيرة بموجب قانون فوريكر، ومع ذلك، تم تصنيف بورتوريكو على أنها “منطقة غير منظمة”.
طبقًا لكريستينا دي بونسا كراوس، أستاذة التاريخ القانوني في كلية كولومبيا للقانون، خشي بعض المشرعين الأمريكيين من حدوث اختلاط عرقي بين الأمريكيين البيض في الولايات المتحدة المتجاورة والسود والبورتوريكيين، إذا تم قبول بورتوريكو كولاية أمريكية، لهذا، كان البورتوريكيون مقيدين بالحكم الذاتي المحدود في ظل حاكم معين من قبل الولايات المتحدة، في حين لم يتمكنوا من الحصول على الجنسية الأمريكية أبدًا.
استمرت الحركات المؤيدة للاستقلال في الجزيرة في المطالبة بالحكم الذاتي، ولتهدئة التوترات، أصدرت الولايات المتحدة في عام 1917 قانون جونز-شافروث، الذي منح معظم البورتوريكيين الجنسية الأمريكية ولكن مع بعض القيود.

بورتوريكو والتشريعات

وبموجب هذا القانون، تم إنشاء مجلس الشيوخ ووثيقة الحقوق؛ ومع ذلك، ظلت لدى رئيس الولايات المتحدة والكونجرس سلطة استخدام حق النقض ضد قوانين بورتوريكو، وعلى الرغم من هذه القيود، طالب قانون الخدمة الانتقائية الرجال في الولايات المتحدة سكان الجزيرة بالتسجيل في الخدمة العسكرية، وبالفعل، خلال الحرب العالمية الأولى، قاتل ما يقرب من 20 ألف رجل من بورتوريكو نيابة عن الولايات المتحدة.
بعد أكثر من 3 عقود، سمحت الولايات المتحدة لبورتوريكو بصياغة أول دستور لها بعام 1950، دون تغيير بوضعها الإقليمي، وبذلك أنشئ شكل جمهوري للحكومة ووثيقة للحقوق، وعقدت الهيئة التشريعية لبورتوريكو اتفاقية دستورية لصياغة الدستور، وافق عليه الرئيس الأمريكي والكونجرس في عام 1952، وبموجب الدستور الجديد، تم اعتبار هذه الجزيرة أحد أعضاء الكومنولث، أي أنها دولة يحكمها الشعب من أجل الشعب على عكس الدولة السلطوية التي تحكم من أجل طبقة معينة من الملاك.

تشتت

بعد عقود من تبني وضع الكومنولث، ظل هنالك ارتباك حول معنى هذا التصنيف، فقد اعتقد المتبنون الأوائل أن هذا التصنيف سيعطي بورتوريكو وضعًا قانونيًا خاصًا، خاصةً بسبب وجود حكومة ذاتية منتخبة للجزيرة ودستور، ما يعني أنها لم تعد مستعمرة كما في السابق.
ومع ذلك، يعتقد بعض الباحثين في تاريخ الدساتير بأنه نظرًا لتمتع الكونجرس الأمريكي بسلطة على حكومة بورتوريكو، فإنها لا تزال تابعة للولايات المتحدة وبالتالي تظل إقليمًا استعماريًا على الرغم من وضعها في الكومنولث.
ومما يزيد من تعقيد مسألة الوضع أن الاسم الرسمي لبورتوريكو باللغة الإسبانية يختلف عن اسمه باللغة الإنجليزية، في الإسبانية؛ يشار إلى الإقليم باسم El Estado Libre Asociado de Puerto Rico، والذي يترجم إلى دولة مرتبطة حرة، وبموجب القانون الدولي، فإن الدولة المرتبطة بحرية هي دولة مستقلة عززت ارتباطها بدولة أخرى من خلال معاهدة، في حين أن هذه التسمية خاطئة إذا نظرنا للواقع، لأن بورتوريكو ليست دولة مستقلة بل منطقة أمريكية.

“اقرأ أيضًا: ماكسيميليان كولبي.. ولماذا يضحي الإنسان بحياته من أجل غريب؟”

ماذا نتوقع بالمستقبل؟

بورتوريكو
على مدار تاريخ هذا الأرخبيل، ناضل الشعب البورتوريكي من أجل الحصول على اعتراف به كدولة قائمةً بذاتها، أو كولاية أمريكية على أقل تقدير، وبالعودة إلى المختصين، فإن هذا أو ذاك، يمكن أن يتأتى عبر بضعة خطوات مهمة.

  • يتبنى الإقليم دستورًا جديدًا استعدادًا لقيام الدولة.
  • انتظار أن يوافق الكونجرس على هذا الدستور، لضمان الانسجام مع الهيكل الفيدرالي للولايات المتحدة.

في تصويت شارك به نحو 55% من المواطنين، فضّل حوالي 53% من البورتوريكيين إقامة دولة مستقلة، بينما رفضها 47%، واعتبر مؤيدو إقامة الدولة النتائج دليلاً على أن معظم البورتوريكيين يريدون الاستقلال، لكن المعارضين شككوا في صلاحية الأصوات لأن مثل هذه الاستفتاءات غير ملزمة، وغالبًا ما يروج لها الحزب المؤيد للدولة فقط.
في النهاية؛ يمكننا الوصول إلى حل لهذه الأزمة، وهو أن معضلة بورتوريكو يمكن لها أن تُحل، فقط إذا تم توجيه المواطنين لأي من الطريقين، إما السعي للاستقلال، أو أن يبقى الوضع كما هو عليه.

المصدر
مصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى