ثقافة ومعرفة

«مغالطة رجل القش».. وكيف يمكن الفوز بأي نقاش؟

لطالما استخدمت مغالطة رجل القش عبر التاريخ في المجادلات، لا سيما فيما يتعلق بالموضوعات العاطفية المشحونة، طمعًا في الفوز بالنقاش، حتى ولو بشكلٍ زائف.

ما هي مغالطة رجل القش؟

من المغالطات المنطقية الأكثر شيوعا هي تلك الخاصة برجل القش، وتبنى تلك الاستراتيجية الكلامية على تصدير فكرة دحض كل حجج الشخص في الجهة المقابلة من الحديث، وإظهاره كطرف أضعف خلال النقاش، ويسمى الشخص الذي يقوم باستخدام هذه الاستراتيجية بـ«مهاجم رجل القش».

تاريخ رجل القش

مغالطة رجل القش
الراهب الألماني مارتن لوثر الذي تحدى الكنيسة الكاثوليكية بالقرن الـ16.

ربما نعتقد أن مغالطة رجل القش مغالطةً حديثةً نسبيًا، إلى أن الحقائق التاريخية تشير إلى تواتر استخدام هذا المصطلح الفلسفي قبيل أن يتم اعتماده شعبويًا بالعصر الحديث.

مارتن لوثر والكنيسة الكاثوليكية

يُعتقد أن أول استخدام لمصطلح «رجل القش» جاء ضمن كلمات كتبها «مارتن لوثر» في كتابه «The Babylonian Captivity Of The Church»، الذي صدر عام 1520، للرد على مزاعم أساقفة الكنيسة الكاثوليكية ورجال الدين الذين يحاولون نزع الشرعية عن منتقديهم، وتحديدًا بشأن الانتقادات التي وجهت للكنيسة حول الطريقة الصحيحة لتقديم القرابين المقدسة.

مقالات متعلقة

يقول مارتن لوثر إنه لم يتطرق لمسألة القرابين في أي من انتقاداته، لكن في الواقع، هم أنفسهم من يقدمون هذه الحجة. ما جعله يصوغ عبارة.. «إنهم يبنون رجلاً من القش قد يهاجمونه».

أرسطو

وعلى الرغم من عدم إدراج الفيلسوف الأسترالي «تشارليس هامبلن» لمصطلح مغالطة رجل القش في كتابه «المغالطات الكلاسيكية»، الذي نشر عام 1970، سواءً كمصطلح قائم بذاته، أو بالإشارة إليه كحقيقة تاريخية، يعتقد أن «أرسطو» كان قد قدّم قبل ذلك ملاحظات تشير إلى قلقه من استخدام استراتيجية جدال مماثلة قبل ذلك بقرون.

قاموس الكلمات

لغويًا، استخدام المصطلح في البلاغة يشير إلى شخصية بشرية مصنوعة من القش يسهل هدمها أو تدميرها، مثل دمية تدريب عسكري، بينما ينص قاموس علم أصل الكلمة على الإنترنت على أن مصطلح «رجل القش»، يمكن إرجاعه إلى عام 1620 ميلاديًا باعتباره دحضًا سهلًا لأي حجة.

أمثلة على مغالطة رجل القش

مغالطة رجل القش
الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون.

اتضحت مغالطة رجل القش في عديد المناسبات، وخاصةً تلك المتعلقة بالمناقشات العامة، وفيما يلي نبدأ باستعراض أبرزها كأمثلة حدثت بالفعل.

جلسة محاكمة في أمريكا عام 1977

في استئناف عام 1977 لإدانة سطو على بنك أمريكي، قال محامي الادعاء في مرافعته الختامية العبارات التالية.. «أؤكد لسيادتكم أنه إذا لم تتم معاقبة المذنبين بناءً على الأدلة المتاحة، فقد نفتح جميع البنوك أمام اللصوص بصدر رحب لأننا لن نكون أبدًا قادرين على إدانتهم».

هنا، هاجم محامي الادعاء رجل القش، باستخدامه استراتيجية مدروسة للتأثير على قرار المحكمة ولو بنسبة بسيطة، لأنه افترض حجة لم يفترضها غيره، وهي أن قرار المحكمة في هذه الحالة ببراءة المتهمين سيترتب عليه لا محالة مسألة تسهيل سرقة البنوك.

خطاب الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون

دائمًا ما يكون الخطاب الذي أدلى به الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون عام 1952 مثالًا على مغالطة رجل من القش، فأثناء حملته الانتخابية لمنصب نائب الرئيس في عام 1952، اتُهم نيكسون بتخصيص 18000 دولار بشكل غير قانوني من أموال الحملة لاستخدامه الشخصي، لكنه قرر أن يقفز على هذا الادعاء، بواسطة اعتراف بحصوله على جرو، كهدية من أحد مناصريه.

بالطبع استخدم نيكسون مغالطة رجل القش في هذا الموضع، حيث لم يرفض منتقدوه أن يحصل على كلب كهدية ولم يقترحوا عليه إعادته، لكن نجحت هذه الحجة في تشتيت انتباه الكثير من الناس عن الأموال وتصوير منتقديه على أنهم متغطرسون، وكان ذلك كافيًا لضمانه دعما شعبيا كبيرا.

نقاش الرجل الحديدي

حجة الرجل الفولاذي، أو الرجل الحديدي، هي المصطلح المضاد تمامًا لمغالطة رجل القش. وفكرتها هي مساعدة الخصم على بناء أقوى شكل لحجته، وقد يتضمن ذلك إزالة الافتراضات المعيبة التي يمكن دحضها بسهولة.

كيف تتعامل مع من يهاجم رجل القش؟

من الطرق الجيدة لتقليل قابلية تعرضك للحجج المبتذلة في المقام الأول استخدام لغة واضحة ونهائية، مع وجود مساحة صغيرة لسوء التفسير قدر الإمكان، لأن هذا يجعل الأمر أكثر صعوبة بالنسبة لخصمك في تشويه موقفك، ويسهل عليك تصحيحها إذا حاول القيام بذلك.

بشكل عام، هناك 3 استراتيجيات رئيسية للتعامل مع من يستخدم مغالطة رجل القش كطريق لهدم موقفك، وهي كالتالي.

الإشارة

أول سبل التعامل مع «مهاجم رجل القش» تكمن في الإشارة إلى زيف حُجته بلغة واضحة، لكن مع توضيح السبب في كون حجته خاطئة، وكيف تشوه الموقف أو الغرض الأصلي للنقاش.

التجاهل

من الطرق الأكثر فاعلية في مواجهة مغالطة رجل القش هي تجاهل حجج الخصم الخاطئة تمامًا، والاستمرار في الدفاع عن الموقف الأصلي بالجدال، تجنبًا للابتعاد عن صلب الموضوع.

التقبُّل

في بعض الأحيان النادرة، يمكن أن تتقبل حجة «مهاجم رجل القش» الخاطئة، بدلًا من الاستمرار في الدفاع عن موقفك الأصلي، لكن هذه الحالة، تتطلب البدء في النسخة المشوّهة من موقفك، التي قام الخصم باختلاقها.

الوقاية من الوقوع في مغالطة رجل القش

مغالطة رجل القش

من المهم أن تتذكر أنك قد تستخدم أحيانًا بعض الحجج المبتذلة عن غير قصد، وحتى لا تضع نفسك في مثل هذا الموقف عليك أن تتبع عددًا من الخطوات قبيل الدخول في أي جدال.

اقرأ أيضًا: ستانيسلاف بيتروف.. الرجل الذي أنقذ العالم من حرب عالمية ثالثة

وضع النقاط فوق الحروف

تتمثل إحدى طرق التأكد من أنك لا تستخدم حيلة رجل القش في محاولة إعادة التعبير عن موقف خصمك، ثم سؤالهم عما إذا كان يوافق على وصفك لموقفهم قبل أن تبدأ في المجادلة ضده.

دراسة الخصم

في بعض الأوقات قد تختار فيها استخدام حجة القش عن قصد، لأي سبب من الأسباب. ومع ذلك، ضع في اعتبارك أنه في حين أن هذه التقنية يمكن أن تكون مقنعة في بعض الحالات، حيث تشير الأبحاث إلى أن استخدام هذا النوع من الحجة ليس دائمًا الخيار الأفضل من منظور استراتيجي، بصرف النظر عن القضايا المنطقية والأخلاقية المتأصلة المرتبطة باستخدام التفكير الخاطئ.

أظهرت دراسة حول هذا الموضوع أنه كأسلوب بلاغي، تكون الحجج المبتذلة مفيدة فقط عندما يكون المستمعون غير متحمسين نسبيًا للتدقيق فيها، مما يعني أنهم لا يهتمون كثيرًا بما يقال.

هذا لأنه عندما يستثمر المستمعون وقتًا في المناقشة ويهتمون بما يكفي للانتباه إلى الحجج التي يتم اقتراحها، فإن أسلوب مغالطة رجل القش قد يكون غير فعال بشكل عام، ويمكن حتى أن يأتي بنتائج عكسية.

ختامًا؛ تظل «مغالطة رجل القش» وغيرها من المغالطات المنطقية معضلة أخلاقية، حيث تتعارض مصالح البشر، لأن الحقيقة المؤكدة هي رفض أي إنسان أن يظهر بمظهر الشخص قليل المعرفة، لذلك قد يلجأ الجميع في بعض الأحيان لأن يلوي عنق الحقيقة كي تتماشى مع وجهة نظره، طمعًا في الشعور بزهو الانتصار على خصمه بالنقاش.

الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
قل ودل فعّل التنبيهات واحصل على جديد موقع قل ودل أولا بأول
Dismiss
Allow Notifications