ثقافة ومعرفة

موسى بن نصير.. فاتح الأندلس الذي لم يُهزم له جيش

منذ أن عرفت البشرية الحرب وفنونها، وهي تعتمد على القائد المغوار قوي البنيان، لكن بطلنا موسى بن نصير فاتح الأندلس القائد العربي صاحب الفتوحات العظيمة، كسر تلك القاعدة لمرة واحدة لم تتكرر، فرغم إصابته بإعاقة يقول عنه الذهبي: كان أعرجا مهيبا، ذا رأي وحزم (سير أعلام النبلاء ص497)، لكنه تجاوز ذلك ورفض الاستسلام للعجز الجسدي، ليفتح لنا صفحة مضيئة في تاريخ العسكرية وقيادة الجيوش.

مولده ونشأته

هو موسى بن النصير بن عبد الرحمن بن زيد يكني أبا عبدالرحمن من بني لخم ويقال: إنه مولى لخم، وقيل إنه من قبيلة بكر بن وائل من قبائل العرب (جمهرة أنساب العرب، ص 410-422)، وهناك من يقول إنه مولى (نفح الطيب (1-234).

أبوه نصير كان اسمه: نصرًا فصغر، كان من بين سبايا عين التمر (هي بلدة بالفلوجة غرب الكوفة) أسرهم خالد بن الوليد المخزومي، ورحل بهم إلى الشام، ثم أصبح نصير من حرس معاوية بن أبي سفيان بعد أن أعتق، وقيل إنه رفض الدخول في محنة معاوية وسيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه خوفا من الله.

رزق النصير بموسى سنة 19هـ – 640م في خلافة عمر بن الخطاب، أصيب موسى وهو صغير بمرض أقعده وجعله يعرج، لكنه ظل يحلم بأن يكون فارسا ومجاهدا (سير أعلام النبلاء ص497).

علمه

تعلم موسى بن النصير العلوم الشرعية وحفظ القرآن الكريم، وكان يجلس إلى العلماء من الصحابة والتابعين وكان شغوفا بسيرة سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) والصحابة رضي الله عنهم أبطال الفتوحات الإسلامية، وتمنى أن يكون مثل هؤلاء الأبطال.

بناؤه الحربي

ملكت سيرة الأبطال قلب وعقل موسى منذ الصغر، وكان متحمسا لسماع أخبار الحروب والفتوح وكان أبوه قائد حرس الخليفة، فكان موسى يرافق أباه ليتعلم منه.

وبفضل قربه من الخليفة معاوية بن سفيان انتهز موسى الفرصة وطلب من الخليفة، أن يلتحق بالأسطول البحري الجديد الذي كان الخليفة يعده لمواجهة الروم، ومن هنا بدأ نجم موسى في تصاعد، بعدها اختاره الخليفة عبدالملك بن مروان وزيرا للكوفة والبصرة معا، وتركها بعد تولي الحجاج بن يوسف الثقافي ثم بدء بعدها رحلة الجهاد حتى توفي.

تولي إفريقية والمغرب

تولى موسى قيادة الجيوش الإسلامية متجها إلى إفريقية، وعندما استقر هناك وجد معظم القبائل قد ارتدت عن الإسلام فقرر أن يبحث عمّن يعلمهم تعاليم الدين الإسلامي بلغتهم حتى يستوعبوا الإسلام، وكانت هذه خطوة موفقة منه، فتعلم البربر الدين وأصبحوا دروعا للإسلام وخرج منهم قادة عظام مثل طارق بن زياد، وحارب بن النصير كل القبائل التي أصرت على العصيان، وأخضعها، وفتح طنجة بعد أن أخضع المغرب الأوسط والأقصى، وقاد الجيش الإسلامي ليخضع هذه البلاد حتى انسحب الروم نهائيا من شمال إفريقيا.

كما أقام موسى أكبر قاعدة لصناعة السفن في شمال إفريقيا تحسبا لأي عدوان من الروم، واستعدادا للفتح العظيم.

فتح الأندلس

أستأذن موسى بن نصير الخليفة للجهاد وفتح الأندلس فأذن له، ثم نادى في الناس للجهاد لفتح الأندلس، وأعلن أنه راكب للبحر فتشجع الناس، وركبوا الفلك وسميت هذه الغزوة (بغزوة الأشراف)، وفتح صقلية وقام مع القائد طارق بن زياد بعبور جبل طارق، وفتحا بإذن الله تعالى الأندلس وحاربا القوط ودانت لهما بلاد الأندلس بلدة تلو البلدة بفضل حسن تدبير القائد موسى بن النصير، فقد كان البطل العظيم يدرس حالة الأندلس والصراع بين حكامها، وشعور الناس بالظلم من جراء فرض الضرائب عليهم، كما درس كل شيء عن الأندلس، مناخها، تضاريسها، مدنها، حكامها.

وهكذا قاد الشيخ الهرم ذو السبعين عامًا الجيوش الإسلامية وسط معارك ضارية، ليسجل لنا إحدى الصفحات المشرقة في تاريخ العسكرية الإسلامية، فقرر موسى أن يهزم إعاقته بإيمانه بالله وثقته بنفسه، وقرر أن يحيى إلى الأبد فكان له ما أرد.

وفاته

قرر موسى بن نصير العودة إلى دمشق حاملا معه الغنائم، وعلم أن الخليفة الوليد بن مروان في النزع الأخير، فأصر أن يدخل عليه ببشرى النصر والغنائم، ثم مات الوليد وأكرمه الخليفة سليمان بن عبدالملك واصطحبه معه للحج، وهناك بعض الروايات التي تقول إنه أهانه وأمر بحبسه، وهي روايات غير صحيحة قصد بها تشويه فترة حكم الدولة الأموية.

وبعدها مرض القائد الذي لا يعرف اليأس أو الضعف موسى بن نصير، والذي قال عنه ابن خلكان في وفيات الأعيان: “كان عاقلاً كريمًا شجاعًا ورعًا تقيًّا لله تعالى، لم يُهزم له جيشٌ قط”، وتوفي سنة 97 هـ/ 716م.

المصدر
طالع الموضوع الأصلي من هنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى