شائع

«نساء الأنقاض».. وهل تولت السيدات بناء ألمانيا بعد الحرب؟

في الثاني من سبتمبر عام 1945، كانت قد أعلنت رسميا نهاية الحرب العالمية الثانية بانتصار الحلفاء بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي على دول المحور التي قادتها ألمانيا النازية والإمبراطورية اليابانية.

خلفت الحرب دمارا هائلا، حيث تتأرجح تقديرات الوفيات ما بين 90 إلى 100 مليون مفقود خلال الحرب سواء كانوا مدنيين أو عسكريين، إضافة إلى عقوبات اقتصادية وسياسية فُرضت على الخاسرين بهذا الحدث الذي يعتبر الأكثر دموية في تاريخ البشرية، والأكيد هو أن الدمار قد طال تقريبًا نصف البنية التحتية لألمانيا خاصةً بعد إحكام الاتحاد السوفييتي سيطرته على برلين.

على كلٍ، عادت ألمانيا إلى الحياة مجددًا عقب خسارة الحرب كقوة صاحبة ثقل ملحوظ سياسيا واقتصاديا، وربما يرجع الفضل في ذلك، إلى إصرار الشعب ومن خلفه الحكومات المتتابعة على استعادة هيبة ألمانيا مجددًا.

بمحاولتك تتبع أخبار ألمانيا بعد هذا السقوط المدوي، تجد الصور الأكثر انتشارًا هي لسيدات يمسكن بمطارق، يحاولن رفع الأنقاض التي خلفتها الحرب بحماسةٍ وهمة كبيرتين، الأمر الذي جعل الجميع يستغل فكرة «نساء الأنقاض» للتدليل على دور النساء المثالي في إعادة ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية.

«نساء الركام كانوا رموزًا توضّح رغبة الألمان في إعادة البناء، وقوتهم على النجاة رغم الظروف، علينا أن نحتفل بالعدد الهائل من النساء اللائي تطوعن لإزالة الأنقاض الناجمة عن الحرب».

- كلمات المستشار الألماني هيلموت كول، أمام النصب التذكاري للحرب بميونخ.

أين الحقيقة؟

اختلف المؤرخون حول صحة الصور المنتشرة عن نساء الأنقاض الألمانيات، بين مؤيد ومعارض، لتظل الحقيقة محل شك، إلى أن اعترضت المؤرخة «ليوني تريبر» واصفةً كل هذه الادعاءات بأنها وهمية، لا أساس لها.

في العام 2005 قامت تريبر بنشر نتائج بحثها العلمي والذي دحضت خلاله كل افتراضات كون سيدات ألمانيا هُن من أعدن بناء الدولة المنهارة، حيث أشارت إلى أن مهمة إزالة الأنقاض كانت واقعة على عاتق مجموعة من شركات البناء الضخمة، ولكن لأن آثار الحرب كانت ضخمة (400 مليون متر مكعب من الحطام)، فقد احتاجت الشركات لدعم من السكان المحليين لمواصلة إزالة الحطام.

«لم تلعب السيدات سوى دور ثانوي في إزالة الأنقاض عن برلين».

-ليوني تريبر

استندت تريبر في بحثها على التقديرات التي توفرت لها، حيث يفترض بأن حوالي 60 ألف سيدة قد شاركن بالفعل في إزالة ما خلفته الحرب، إلا أن هذا العدد يساوي فقط حوالي 5% من نسبة سكان العاصمة، بل إن هذا الرقم لا يتعدى نسبة 0.3% من سكان المنطقة التي وقعت تحت السيطرة البريطانية في الحرب.

أسطورة

تخبرنا تريبر بأن الصور المنتشرة لسيدات الأنقاض المبتسمات أثناء أدائهن واجبهن الوطني ما هي إلا محاولة للتلميع من جانب الأعلام، فعلى عكس القصص الشائعة، لم تعمل السيدات تطوعًا، بل تم دفعهن إلى المساعدة عبر تخصيص حصص زائدة لهُن من الطعام والمؤونة، وكان الهدف من ذلك هو تشجيع المزيد من السيدات على اللحاق بالأخريات اللاتي قدمن الغالي والنفيس من أجل الوطن.

في النهاية، بالفعل كان هنالك عدد من النساء شاركن في إزالة حطام الحرب، إلا أن عددهن كان ضئيلا جدًا، وللمزيد من الدقة، يعتقد الباحثون بأن دورهن كان هامشيًا، لكن تم استغلاله فقط كصورة إعلامية لرفع المعنويات وتشجيع الشعب الذي خسر الحرب لتوه.

الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى