رياضة

نيلسون مانديلا.. وكيف حاول توحيد جنوب إفريقيا باستخدام رياضة الرجبي؟

كانت جنوب إفريقيا بلدًا ينخُر الفصل العنصري عظامها، إلا أن هنالك شخصًا واحدًا يُدعى «نيلسون مانديلا» أخذ على عاتقه تحرير المفاهيم المتعلقة بالعنصرية ضد ملوني البشرة، عبر استغلال كل الطرق المتاحة لذلك، بما فيها استخدامه للفريق الوطني للرجبي لتعزيز الشعور الوطني المشترك، فكيف حدث ذلك؟ 

رابط تاريخي

بالعام 1948، ظهر ما يعرف بنظام الفصل العنصري بجنوب إفريقيا، بالتزامن مع الصعود السياسي للحزب الوطني الأفريكاني، حيث رأى المنحدرون من المستوطنين الهولنديين، الألمان والفرنسيين أنهم شعب الله المختار، بالتالي عملوا على تشكيل حكومة تفضل الأقلية البيضاء وتميّزها.

في ظل حكم هذا النظام، تم نقل غالبية المواطنين سود البشرة إلى بلدات منفصلة، تفتقر لأقل مستويات الخدمات، وتُركوا في ظروف يحيط بها الفقر المدقع من كل اتجاه، وفي نفس الوقت، تم استبعادهم من شغل أي وظائف مرموقة، أو الانخراط بالعمل السياسي والمجتمعي، ما اضطر معظمهم لشغل وظائف العمالة غير الماهرة.

وبحلول العام 1953، صدقت حكومة الفصل على مشروع قانون «حجز المرافق المنفصلة»، والذي جعل من كل المرافق العامة بجنوب إفريقيا ملكية خاصة للأقلية البيضاء، ومحرمًا على داكني البشرة بالتبعية، بما في ذلك بكل تأكيد ملاعب الرجبي.

كانت علاقة الحزب الأفريكاني الوطني وطيدة بفريق الرجبي، فعلى مدار التسعين عامًا الأولى التي مرّت على تأسيس الفريق، كان الحزب يوفّر اللاعبين البيض للفريق، بشكل جعل من نجاح الفريق رياضيًا نجاحًا سياسيًا للحزب، بل إن بعض اللاعبين كانوا يتخذون من لعب الرجبي للفريق الوطني نقطة انطلاق للحصول على موقع أفضل بالحزب.

اتخذ الحزب الأفريكاني الوطني أحد أنواع الظباء النقية رمزًا له، للتعبير عن القيم والخصائص التي يمتلكها العرق الأبيض، ومع الوقت، وطبقًا للكاتب «سيمون بينسكي»، كان من المستحيل أن يتم السماح للسود مشاركة البيض في المنتخب الوطني للرجبي، لأن مشاركتهم تُخل برمزية نقاء الظبي، التي لم تعد مجرّد رمزًا للتفوق الرياضي، بل إقرارًا بالتفوق العرقي للبيض على السود.

  نيلسون مانديلا والحقيقة

نيلسون مانديلا
نيلسون مانديلا أول رئيس أسود منتخب لجنوب إفريقيا.

بالعودة لنيلسون مانديلا، فقد مكث في سجون نظام الفصل العنصري نحو 27 عامًا، بعدما حكم عليه بالسجن مدى الحياة، بتهمة التخريب والتآمر لقلب نظام الحكم، ومع الضغوطات الدولية لإطلاق سراحه، أفرج عنه بالعام 1990 في خضم الحرب الأهلية الجنوب إفريقية، ليبدأ في مفاوضات جادّة مع الرئيس دي كليرك، آخر رئيس أبيض لجنوب إفريقيا، من أجل إلغاء الفصل العنصري نهائيًا.

بالعام 1994 أضحى نيلسون مانديلا أول رئيس أسود منتخب في تاريخ جنوب إفريقيا، وكانت أولى قراراته هي تشكيل لجنة الحقيقة والمصالحة للتحقيق في الجرائم المتعلقة بالنظام السابق، على أمل أن يتسبب الكشف عن حقيقة فظائع هذا النظام في شفاء غليل الأمة المنقسمة عرقيًا.

بذلك الوقت؛ أراد السود في جنوب إفريقيا تدمير أي آثار للنظام البائد، وعلى رأسها «الظبي»، الذي كان الشعار الرياضي للحزب العنصري، لهذا تبنت كل الفرق الرياضية شعارًا جديدًا «زهرة البروتي» بعد انتهاء الانتخابات الحرة الأولى عام 1994 مباشرةً، إلا أن فريق الرجبي ظل محتفظًا بشعاره القديم.

الهدف الأسمى

ويني مانديلا، الزوجة المنفصلة عن الزعيم الجنوب إفريقي وأبرز معارضيه.

كان نيلسون مانديلا يدرك تمامًا أن رمز «الظبي» يعني الكثير للأقلية البيضاء بجنوب إفريقيا، وبما أنه كان يمتلك هدفًا أسمى من هدم رموز النظام السابق، وهو توحيد هذه الأمة، تغاضى عن تغيير شعار الفريق الوطني للرجبي، خاصةً وأن معظم لاعبيه من بيض البشرة في الأساس، فكان هذا القرار بمثابة الغاية التي تبرر الوسيلة.

درس مانديلا لغة الأفريكانيين أثناء فترة سجنه، لأنه كان متيقنًا من ضرورة إدراك وجهة نظر هذه الفئة من الشعب، فعلى الأغلب سيضطر عند لحظة ما لقتالهم أو التفاوض معهم، بالتالي مصيره أصبح مرتبطًا بمصيرهم.

بالعودة لقصة شعار فريق الرجبي، استدعى الرئيس قائد فريق الرجبي «فرانسوا بينار» بعد فترة وجيزة من انتخابه كرئيس لجنوب إفريقيا، لمناقشة إمكانية كون شيء بسيط كشعار «الظبي» الخاص بالفريق مؤثرًا في تقليل وطأة الخلاف ما بين السكان البيض والسود، واختار نيلسون بينار بعناية لمقابلته لأنه نشأ في بيئة أفريكانية، ارتبط فيها اسم مانديلا بالإرهاب، فإذا ما استطاع التوصل معه لنقطة تلاقٍ، بالتالي سيصبح من الممكن توسيع دائرة الحوار لتسع الجميع.

على الجانب الآخر؛ لم تتوافق إيماءات مانديلا التصالحية مع نظام الفصل العنصري القاسي بشكل جيد مع السود في جنوب إفريقيا الذين ما زالوا يتعاملون مع ذلك النظام كرمز للقمع والعنف.

تعرض نيلسون مانديلا لانتقادات شديدة من الجماعات السوداء المتشددة التي اعتقدت أن حزبه الحاكم كان تصالحيًا للغاية مع نظام الفصل العنصري السابق، وكانت زوجته ‑المنفصلة عنه- ويني مانديلا واحدة من أكثر منتقديه صراحةً، والتي اعتقدت أنه يركز على إرضاء البيض أكثر من التركيز على ضمان حقوق السود في جنوب إفريقيا.

فريق واحد، وطن واحد

نيلسون مانديلا
نيلسون مانديلا وفرانسوا بينار (قائد الفريق الوطني الجنوب إفريقي للرجبي).

«نحن من قمنا بتربية هؤلاء الرجال كأبنائنا، كأبطالنا، كنجومنا، البلد بأكملها تقف خلفهم، أنا فخور بهم، وأتمنى أن يفخر بهم الشعب بأسره».

-نيلسون مانديلا أثناء زيارته لمعسكر منتخب الرجبي قبل انطلاق كأس العالم عام 1995.

وصل الفريق الوطني للرجبي إلى نهائي كأس العالم، وكان خصمه المنتظر هو الغريم الأزلي النيوزلندي، وتحت أنظار نحو 63 ألف متفرج بملعب «إليس بارك» بجوهانسبورج، ظهر نيلسون مانديلا، مرتديًا قبعة خضراء تحمل شعار «الظبي» الخاص بالفريق، ليصرخ معظم الحضور ‑البيض خاصة- هاتفين «نيلسون.. نيلسون.. نيلسون».

بدأت المباراة، وظلت معلقة حتى دقائقها الأخيرة، حيث كان مستوى الفريقين متقاربًا، إلى أن استطاع الفريق الجنوب إفريقي انتزاع الفوز على نظيره النيوزلندي بآخر 7 دقائق من اللقاء.

قال بينار قائد الفريق: «عندما انطلقت صافرة النهاية، تغير هذا البلد إلى الأبد»، في حين أن هذا قد يكون مبالغة بالنسبة لمعظم السود في جنوب إفريقيا الذين استمروا في المعاناة في الطبقة السفلية من المجتمع في عالم ما بعد الفصل العنصري، إلا أنه يعكس جهدًا بارعًا من قبل مانديلا لاستخدام لعبة الرجبي في مداواة جروح الأمة.

نهاية، من الممكن أن يتم الطعن في مدى نجاح فكرة نيلسون مانديلا باستخدام الرياضة كحل للوصول إلى السلام، لكن وطبقًا لرأيه.. «تتمتع الرياضة بالقدرة على تغيير العالم، يمكن للرياضة أن تخلق الأمل، حيث لم يكن هناك سوى اليأس في السابق».

الكاتب
المصدر
مصدر مصدر 1

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
قل ودل فعّل التنبيهات واحصل على جديد موقع قل ودل أولا بأول
Dismiss
Allow Notifications