ثقافة ومعرفة

والت ديزني.. الأب الروحي للرسوم المتحركة

إن كنت أحد من أسعفهم الحظ بحضور حقبة والت ديزني، فبالتأكيد أنت أحد أبناء السبعينيات أو الثمانينيات، وربما أوائل التسعينيات؛ هؤلاء هم حضروا فترة الرسوم المتحركة، التي كانت سببًا مباشرًا في تشكيل وعيهم بجانب الترفيه عنهم، ويعود الفضل في ذلك لرجل واحد قرر أن ينشئ إمبراطورية ديزني، التي أضحت عالمًا في حد ذاتها. 

طفولة والت ديزني

ولد والت ديزني في 5 ديسمبر 1901 في شيكاغو، وكان الطفل الرابع من بين 5 أشقاء، وانتقل مع عائلته إلى مزرعة في بولاية «ميسوري» عندما بلغ الرابعة من عمره، بينما يعتقد أنّه تلقى التشجيع لأول مرة لاهتمامه المتزايد بالرسم، من كل من عمته وجاره الذي كان طبيبًا متقاعدًا.

واجه والد والت صعوبات في كسب العيش، ما اضطره لبيع المزرعة بعام 1910، لتنتقل العائلة إلى مدينة «كانساس»، وهناك، اشترى ديزني الأب خطًا لبيع الصُحف، وساعده نجله على مدار 6 سنوات في توزيعها، حيث كان يقوم بمهمة التوزيع قبل وبعد الذهاب لمدرسته وخلال أيام العطلة.

في عام 1917، توقّف والت ديزني الأب عن توزيع الصحف، وعاد بالعائلة إلى شيكاغو، حيث تحصّل على وظيفة في شركة للهلام وعصير الفاكهة، أما عن والت، فقد قرر ترك المدرسة الثانوية في سن 16، حيث كان طالبًا كسولا لكنه كان يرسم باستمرار.

مقالات متعلقة

«اقرأ أيضًا: عندما يصبح إبداع المصممين جريمة!

مراهقة مشوشة

والت ديزني

في نفس العام، ومع دخول الولايات المتحدة الأمريكية غمار الحرب العالمية الأولى، انضم ديزني إلى فيلق سيارات الإسعاف التابع للصليب الأحمر من خلال تزوير شهادة ميلاده من أجل تلبية الحد الأدنى لسن الفيلق وهو 17، وتم إرساله إلى فرنسا في أواخر عام 1918، بعد وقت قصير من توقيع الهدنة التي أنهت القتال، ليمضي ديزني وقته في قيادة مسؤولي الصليب الأحمر والقيام بمهام أخرى قبل تسريحه من الخدمة نهائيًا في عام 1919.

بعد انتهاء خدمته في الصليب الأحمر، انتقل والت ديزني إلى مدينة كانساس، على أمل أن يصبح رسام كاريكاتير في الصحف، وبالفعل حصل على وظيفة بصحيفة «City Star»، لكن سرعان ما تم طرده من الوظيفة، لأن مديره كان يراه شخصًا يفتقر إلى الإبداع، ليتحول مرغمًا إلى مجال تصميم الإعلانات الخاصة بالمجلات ودور السينما، ثم يتوجه اهتمامه أخيرًا للرسوم المتحركة.

«ميكي ماوس» الحقيقي

في عام 1922، افتتح والت ديزني استوديو أفلام باسم «Laugh-O-Gram»، لكنه سرعان ما تعثر ماليًا وأغلق في عام 1923، وفي نفس العام، نجح والت في الانتقال إلى هوليوود وتأسيس استوديو «الإخوة ديزني» برفقة شقيقه الأكبر روي، وبعد إنتاج العديد من الرسوم المتحركة القصيرة، بدأ الاستوديو في إنتاج سلسلة في عام 1927 حول شخصية طورها والت تسمى «الأرنب المحظوظ أوزوالد».

في العام التالي، طور والت شخصية جديدة، نعرفها جميعًا، وأطلق عليها في الأصل «مورتيمر ماوس»، قبل أن يقرر أن اسم «ميكي ماوس» سيكون لقبًا أفضل لشخصيته الجديدة.

ظهر ميكي ماوس لأول مرة رسميًا في فيلم قصير عام 1928 بعنوان «Steamboat Willie»، وهو من أوائل الرسوم المتحركة التي استخدمت مؤثرات صوتية متزامنة على الإطلاق، وسرعان ما أصبح هذا القارض نجمًا، وظهرت نوادي ميكي ماوس للأطفال بالإضافة إلى البضائع والقصص المصورة التي تحمل اسمه.

عندما تحدث ميكي لأول مرة، في عام 1929 في فيلم قصير، لم يكن والت سعيدًا بكيفية ظهور الشخصية واستمر تقديم الشخصية بصوت حتى عام 1947، لكنه بعد ذلك لم يستطع الاستمرار في إضفاء صوته على الشخصية لكونه مشغولًا.

والت ديزني ومساعدة الدولة الأمريكية

والت ديزني

خلال الفترة ما قبل الحرب العالمية الثانية، كان والت ديزني قد تحوّل بفضل رسومه المتحركة إلى نجم شباك، وهو ما قررت الولايات المتحدة الأمريكية استغلاله بأفضل صورة ممكنة، حيث كلفت وزارة الخزانة الأمريكية شركة «ديزني» بإصدار فيلمًا قصيرًا بعنوان «الروح الجديدة»، لتشجيع المواطنين على دفع ضرائبهم لتدعيم المجهود الحربي.

تم عرض الفيلم، الذي قامت ببطولته شخصية «دونالد داك»، في آلاف دور العرض السينمائية وحصل حتى على ترشيح لجائزة الأوسكار، كما أنتج استوديو ديزني أيضًا أفلامًا تدريبية للجيش الأمريكي، وأنتج ‑مجانًا- أكثر من ألف شارة للوحدات العسكرية؛ تمحورت التصاميم حول شخصيات «ديزني» الراسخة بالإضافة إلى الشخصيات الجديدة.

القومية الأمريكية

على الرغم من أن والت ديزني كان مترددًا في البداية في المخاطرة بتشويه صورته باعتباره فنانًا غير سياسي من خلال إنتاج أعمال دعائية صارخة، فقد قام فريقه في النهاية بإنتاج أفلام قصيرة متحركة مثل «وجه الفوهرر» عام 1943، والتي سخرت من النازيين.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل استمر ديزني ‑بحس قومي- في تأييد السياسات الأمريكية، واتضح ذلك جليًا حين قام بإنتاج فيلم قصير يحمل عنوان «النصر عن طريق القوة الجوية»، والذي يدعم نظرية طرحها الكاتب «ألكسندر دي سيفرسكي» في كتاب يحمل نفس العنوان، والذي تحدّث خلاله عن استراتيجيات القصف بعيد المدى للقوات الجوية الأمريكية، والتي كانت مثار جدل بذلك الوقت.

«ديزني لاند»

والت ديزني
افتتاح ديزني لاند.

كان والت ديزني ينوي في الأصل بناء حديقة ترفيهية صغيرة بالقرب من استوديو «بوربانك» الخاص به، ولكن سرعان ما أصبحت خططه أكثر طموحًا، وفي عام 1953 استأجر شركة أبحاث للعثور على أفضل موقع في جنوب كاليفورنيا لإنشاء منتزه ترفيهي واسع النطاق، وبعد دراسة عدة عوامل مثل النمو السكاني وأنماط الطقس وخيارات النقل، أوصت الشركة بالموقع الذي سيصبح مقرًا لديزني لاند، وهي قطعة أرض مساحتها 160 فدانًا، تتكون في الغالب من أشجار البرتقال، في مدينة «أنهايم». وبالفعل، حققت ديزني لاند نجاحًا فوريًا، وبعد شهر واحد فقط استضافت الحديقة أكثر من نصف مليون زائر.

وفاة والت ديزني

والت ديزني

في نوفمبر 1966، اكتشف الأطباء أن والت ديزني، الذي كان مدخنًا شرهًا، مصابًا بـ سرطان الرئة، قبل أن يتوفى في مستشفى بوربانك في الشهر التالي، وتحديدًا في 15 ديسمبر، عن عمر يناهز 65 عامًا.

بعد فترة وجيزة من وفاته، انتشرت شائعات في الصحف الشعبية تفيد بأن ديزني قد تم حفظ جثته بطريقة التجميد على أمل أن يتمكن العلم يومًا ما من إعادته إلى الحياة، ولكن على الرغم من هذه الشائعات، تم حرق جثته ودفن رماده في ضريح في مقبرة «فورست لون» في ولاية كاليفورنيا.

في الحقيقة ربما لم يحظ والت ديزني بالتقدير والشعبية التي استحقها في حياته، على الرغم من حصوله على 22 جائزة أوسكار فردية، وحصده أموالا طائلة، إلا أن هذا التقدير كان ليتضاعف مرّات ومرّات إذا ما حظي الأب الروحي للرسوم المتحركة بفرصة تعريفه للجمهور في عصرنا الحالي.

الكاتب
المصدر
مصدر مصدر 1مصدر 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
قل ودل فعّل التنبيهات واحصل على جديد موقع قل ودل أولا بأول
Dismiss
Allow Notifications