حبيبة عوض تكتب: لون يحمل روحا

كانت السماء ذاك اليوم مختلفة، كانت أصفى من نهر؛ لكن الشمس الحيية محاولة شق طريقها بين السحب القطنية أضافت ألوانا غير اعتيادية للسماء، كان أجمل مما يمكن للحروف وصفه.… التناغم السحري بين البنفسجي والبرتقالي والأصفر، إن شروق الشمس وغروبها لأمر ساحر.

لا أرى أن الألوان فقط أطوال موجية مرئية للعين؛ بل خلقت لإضافة جمالية ما، قيل إن الألوان تضيف حياة ومعنى للأشياء والأشخاص لكن ما معنى الألوان؟ كيف يكون للون معنى ثابت؟

الأحمر مثلا في أفق السماء أرى أنه سلام ودماء.. ثورة ومعركة أزلية بين القلب النابض بالمشاعر والعقل الواقعي، ربما الحقيقة أن الأحمر هو كل شيء ونقيضه، لون غير مباشر ومخادع بشكل مزعج فهو الرغبة والرفض والخطيئة والغضب أعتقد أني لم أصل للنضج الكافي لأعرف ماهية الأحمر؛ لكني أحب أنه أول الألوان الذي يخطر للبال عند ذكر الألوان بشكل عام، الشياطين والشر كما أن جهنم حمراء ومع كل سيئاتك إلا أنك لون الحب كم هو معقد ذاك الأحمر.

البرتقالي والأصفر.. التفاؤل والانتعاش والغرور شروق الشمس يوميا وطلتها البهية، تخبرك أن الأمل موجود وأن البدايات السعيدة ليست كذبة حتى بين الغيوم الرمادية يستطيع الأصفر شق طريقه لقلبك لتشعر بالدفء… الابتسامة الصافية وتلك التنهيدة ربما غدا ليس الأفضل، ربما هو أشد إنهاكا وسوءا من اليوم لكن من يمكنه الجزم؟ ربما غدا أفضل ربما تشرق أنت والشمس سويا لكن اليوم نم وأنت مقتنع أن غدا ستشرق الشمس، وأن شروقك حتمي؛ لكنه سيأتي في وقته وسيكون أكثر سطوعا من أي شمس، وأن غدك ربما.. ربما لا يكون غدا لكنه آتٍ لا محالة.

الأزرق.. هدوؤه صاخب، زرقة المحيط مميتة، كاتم أسرار وخاطف أرواح، زرقة السماء العالية.. يحتوي البحر من الدعاء ما يكفي لملء آبار.. أهذا هو الأزرق؟ أسرار وأرواح؟ الأزرق هو الاختناق الذي تستمتع به، المد والجزر.. الحزن أزرق، البرد القارص، أزرق.. انعدام الدماء في عروقك أزرق، حتى العدم يجب أن يكون أزرق.. الأزرق هو أن تنجو من جميع البحار وتغرق في عين أحدهم برغم إجادتك للسباحة، تختنق غرقا في عملية لا نهائية ورغم هذا لا تزال ترغب بالموت في كل مرة تراه، البرودة والهدوء جميل هو ذاك الشعور الغياب عن الوعي للحظات، الأزرق هو عروقك المنتفضة وبرودة الجثث في أصابعك، العدم والغموض جميعها أزرق، كل الألغاز زرقاء وكل الحياة ألغاز.

وأقف أنا رمادي.. أكثر الألوان تشتتا، لون ضعيف وكئيب وحزين كأنه رجل عجوز يستلقي على كرسيه القديم في منزله المهترئ، على محياه علامات البؤس وانتظار الموت بشغف، لكنها مجرد أمنية لأنه غير مستعد للموت بعد، ضائع في الماضي غير واعٍ للحاضر ولا يستوعب فكرة المستقبل، بقايا إنسان كان طموحًا وأصبح تائهًا يجهل أين هو في العالم الباهت حوله، العالم رمادي حقًا أم أنه هو من جعل ما حوله رماديًا، لا معنى له في المنتصف، لا ينتمى للسواد ولا يعرف للأبيض طريقا.

 

إخلاء مسؤولية: المحتوى في قسم الآراء والمساهمات لا يعبر عن وجهة نظر الموقع وإنما يمثل وجهة نظر صاحبه فقط، ولا يتحمل الموقع أي مسؤولية تجاه نشره.

 

الكاتب

DMCA.com Protection Status