الصحة النفسية

الشخصية المتحاشية.. وأبرز الطرق الفعالة لعلاجها

قد يغفل الكثيرون عن رسم الابتسامة على وجوه الآخرين، ورفع معنوياتهم، ومحاولة تعزيز ثقتهم بأنفسهم؛ متناسين التأثير الإيجابي لهذه الخطوات البسيطة، والتي يمكن أن تحد بشكل كبير، من خطر الإصابة باضطراب الشخصية المتحاشية.

اضطراب الشخصية المتحاشية

يعرف أيضًا باضطراب الشخصية الاجتنابي، إذ تعرف الشخصية المصابة به بأنها الشخصية التي تحاول تجنب الناس قدر الإمكان، وهو رد الفعل النابع بدافع الخوف، وليس عدم رغبة في الاختلاط كما هو الحال مع الشخصية الانطوائية، إذ تحاول الشخصيات المتحاشية التخلص من هذا الخوف، بل وتتمنى التعامل مع الناس، والتعايش مع جميع الأشخاص المحيطين بها، وهو ما تفشل فيه غالبًا، فمجرد رغبتها في الاحتكاك بمن حولها يصيبها بالارتباك الشديد والخوف، والقلق المفرط، ولذا فإنها ترى أن التحاشي والتجنب هو السبيل الأمثل للحفاظ على كرامتها، ولضمان عدم الوقوع في الخطأ.

الشخصية المتحاشية
ترغب الشخصيات المتحاشية في الاحتكاك بأقرانها ولكنها تفشل..

أعراض الإصابة

يعد اضطراب الشخصية المتحاشية من أبرز اضطرابات الشخصية، ضمن الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية، ومن أهم أعراض الإصابة بهذا الاضطراب:

الحساسية الشديدة تجاه النقد

كثيرًا ما يعاني الأشخاص المصابون بهذا الاضطراب، إذ يتسمون بالحساسية المفرطة تجاه النقد، أو شعورهم بأنهم منبوذين من الآخرين، وهو ما يحيل حياتهم إلى سلسلة من القلق والتوتر، والخوف من الإحباط والفشل، خاصة عند محاولاتهم لتكوين صداقات، أو الدخول في علاقات مختلفة، والتي يحاولون اقتحامها بصعوبة.

لذا نجدهم أيضًا يتجنبون العمل أو الأنشطة الاجتماعية والمدرسية، خوفًا من النقد أو الرفض من الآخرين، إذ يشعرون بأنهم غير مرحب بهم أو غير مرغوب فيهم، وغالبًا ما يكون هذا الشعور خاطئا، إلا أنه يهيئ لهم دومًا أنهم أدنى من الآخرين، وغير مقبولين.

الشعور بالعجز والفشل

غالبًا ما يراود الشخص المتحاشي شعور عارم بالعجز، إذ يفترض دومًا أنه غير قادر على مساعدة نفسه أو مساعدة الغير، أو تنفيذ المهام المطلوبة منه، خاصة في مجال العمل وكذلك الواجبات الدراسية، فنجده يشعر بارتباك وتوتر وينتابه إحساس بأنه سيفشل لا محالة.

 العزلة الاجتماعية

يسعى الأشخاص المصابون بهذا الاضطراب إلى تكوين علاقات مع الآخرين في حالة واحدة فقط، إذا كانوا يؤمنون بأنهم لن يتعرضوا من قِبَلهم للنبذ أو التقليل، وهو الأمر النادر جدًا، إذ يفضلون دومًا الوحدة والعزلة بدلًا من المخاطرة بالتواصل مع الآخرين، وهو ما ينتج عن خوفهم من التعرض لأية خسائر معنوية.

عدم تقدير الذات

تصاب الشخصيات المتحاشية بانخفاض شديد في تقديرهم لذاتهم، حيث يشعرون دومًا بأنهم أقل من غيرهم على جميع المستويات، وهو ما ينعكس على تصرفاتهم وردود أفعالهم، والتي تتسبب بالتبعية في تقليل الآخرين منهم ومن شأنهم.

الخجل المفرط

من أبرز الأعراض التي تصيب الشخص المتحاشي القلق الشديد في المواقف الاجتماعية، بالرغم من رغبته القوية في تكوين علاقات وثيقة، وصداقات مختلفة، وتوطيد علاقته بزملاء العمل أو الدراسة، إلا أن خجله المفرط يباعد بين رغبته وبين إمكانية تحقيقها.

ازدراء الذات

لا تستطيع الشخصيات المتحاشية تحديد سماتها، أو مميزاتها وعيوبها، مما يولد لديها شعورا مشوشا تجاه شخصيتها، والذي يؤدي بالتبعية إلى نبذها وازدرائها لذاتها.

رهاب الأماكن العامة

من أبرز أعراض هذا الاضطراب أيضًا، رهاب الشخصيات المصابة به من الأماكن العامة، وتجنب التفاعل الاجتماعي، كذلك الشعور بالوحدة، بالرغم من محاولات الكثير للاقتراب منهم وخلق علاقة جيدة معهم.

الشخصية المتحاشية

تجنب التواصل الجسدي

غالبًا ما تتحاشى هذه الشخصيات أي نوع من أنواع التواصل الجسدي، ويرجح الأطباء أن هذا التجنب المبالغ فيه قد يكون بسبب ذكريات متعلقة بالجسد حدثت للشخص في مرحلة الطفولة، والتي تكون غالبًا غير سارة ومؤلمة.

مشاكل في الأداء المهني

يواجه الشخص المتحاشي العديد من المشاكل في مجاله المهني، إذ لا يستطيع أداء المهام المكلف بها على أكمل وجه، وهو ما يصدر عن شعوره بالفشل، وأنه أقل شأنًا من الآخرين، ولا يستطيع الوصول إلى المناصب التي وصل إليها زملاؤه.

الهروب من الواقع

غالبًا ما تستخدم هذه الشخصيات خيالها، كشكل من أشكال الهروب من الواقع، حيث تعتبر الخيال أفضل وسيلة للتخلص من الأفكار المؤلمة، واستبدالها بأفكار أخرى خالية من السلبيات.

أسباب الإصابة

يتم ترجيح الإصابة باضطراب الشخصية المتحاشية، إذا اجتمعت لدى الشخص 4 أعراض على الأقل، ثم يتم تشخيصه إذا تعدى الـ6 أعراض، وفقًا لما ورد في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية، والذي صدر عن الجمعية الأمريكية للطب النفسي.

ورغم كافة البحوث التي أجريت، إلا أن الأطباء لم يستطيعوا تحديد أسباب الاضطراب بشكل واضح حتى الآن، ولكن يُرَجح أنها متعلقة بعدة عوامل:

عوامل اجتماعية ونفسية

من أهم العوامل المؤدية إلى إصابة الشخص بالاضطراب، تجاهل مشاعره من قبل الوالدين في مرحلة الطفولة، بالإضافة إلى نبذ أقرانه وأصدقائه له، أو تعرضه للتنمر من قِبَلهم، مما يزيد من احتمالية الإصابة بالاضطراب، الذي تبدأ أعراضه بالظهور في بداية مرحلة البلوغ.

الشخصية المتحاشية
يعد تجاهل مشاعر الطفل ومخاوفه، من أهم أسباب الإصابة بالاضطراب..

بالإضافة إلى ذلك، قد تكون الإصابة بالاضطراب نتيجة لاحتكاك الفرد ببعض الأشخاص الذين يعانون من العجز، القلق والوحدة، الحساسية الشديدة تجاه النقد أو التقييم السلبي، وقلة التفاعل الاجتماعي، مما ينعكس على الفرد ويعرضه أيضًا للإصابة بهذه الاضطرابات لا إراديًا.

عوامل وراثية

قد تكون الإصابة بالاضطراب أيضًا تعود إلى عوامل وراثية، متعلقة بإصابة أحد الوالدين ببعض الاضطرابات خلال فترة المراهقة، المتعلقة بالقلق والخجل والخوف من المجتمع، مما يجعل لدى الطفل استعدادًا وراثيًا ليصبح فيما بعد شخصية متحاشية.

العلاج من الاضطراب

يفضل الأطباء استخدام طرق مختلفة في معالجة اضطراب الشخصية المتحاشية، إذ لا يلجؤون عادةً إلى العقاقير والأدوية المضادة للاكتئاب، نظرًا لأعراضها الجانبية التي قد تصيب الشخص ببعض المضاعفات، ومن أبرز هذه الطرق:

العلاج المعرفي

الغرض الأساسي من العلاج المعرفي هو زيادة فهم الشخصية المتحاشية لنفسها، ومعرفة سماتها ومميزاتها، بالإضافة إلى تحدي المعتقدات السلبية المبالغ فيها، حول ما يتعلق بذاتها ونظرة الأشخاص المحيطين لها، مما يمكن الشخص المصاب من تحسين وعيه، ومهاراته ونشاطه الاجتماعي.

هنا لن يكون التغيير جذريًا في الصفات والأعراض، ولن يصبح العلاج فعالًا في فترة وجيزة، ولكن سيحدث تغيير ملحوظ لدى الشخص، يؤدي بالتبعية إلى زيادة ثقته في نفسه، وكبح شعوره الدائم بالنبذ من الآخرين، ورغبته في استكمال العلاج.

 التدريب على المهارات الاجتماعية

وهو ما يتم عن طريق تعريض المريض تدريجيًا لجلسات تواصل اجتماعي، وإقحامه في بعض المهارات التي تتطلب عملا جماعيا، وهو الأمر المعتمد على مدى تقبل المريض لهذه الجلسات، ومدى ثقته وتقبله للطبيب المعالج، لذا من الضروري جدًا أن يكون الطبيب ذا خبرة عالية، حتى يستطيع كسب ثقة المرضى، وإخضاعهم لطرق العلاج النفسية المختلفة، حيث يجد نفسه مضطرًا لاستخدام العلاج الدوائي إذا فشل في ذلك.

الشخصية المتحاشية
تدريب المريض على التفاعل مع المجموعات..

الأنواع الفرعية للشخصيات المتحاشية

وفقًا لدراسة الأخصائي النفسي ثيودور ميلون، فإن اضطراب الشخصية التجنبية ينقسم إلى 4 أنواع فرعية لدى البالغين، حيث ذكر المرضى أعراضًا متفاوتة لتلك التي أصيبوا بها، مما جعله يرجح أن اضطراباتهم يمكن أن تكون مزيجًا من النوع الرئيسي لاضطرابات الشخصية، بالإضافة إلى نوع آخر من أنواع اضطرابات الشخصية الثانوية، وتتمثل هذه الأنواع في:

 الشخصية المتحاشية الرهابية

يتضمن الاضطراب هنا سمات الشخصية الاعتمادية، إذ يتحول القلق العام إلى تجنب التهور في أي موقف، وتبلد الحس والمشاعر الذي يصاحبه تأنيب ضمير مستمر.

الشخص المتحاشي المتناقض

يتضمن هذا النوع صفات الشخصية السلبية، ومن أبرز سماته النزاع والخلاف الداخلي، الخوف والتردد من فكرة الاعتماد على الغير، الاضطراب الدائم، بالإضافة إلى عدم التصالح مع الذات، والتردد والحيرة، كما يمكن أن يصاب ببعض التشنجات والغضب نتيجة الخوف الشديد بداخله.

الشخص المتحاشي شديد الحساسية

في هذا النوع من الاضطراب، يتسم المصاب بالجُبن، والذعر والرعب من أبسط الأشياء، بالإضافة إلى الانفعال والحذر الشديد، والشك الدائم في كل من حوله، مما يجعله شخصا حاد الطباع، متوترا، وحساسا جدًا تجاه النقد.

الشخص المتحاشي الخاذل لذاته

تتضمن سمات الشخص هنا الكثير من صفات الشخصية الاكتئابية، والتي تتمثل في إعاقته وتحطيم إدراكه لذاته، والتخلص من جميع السلبيات في الحياة كالصور التي تحمل ذكريات مؤلمة، بالإضافة إلى محاولته التخلص من الأفكار والدوافع الضعيفة، مما قد يؤدي أحيانًا إلى رغبته في التخلص من حياته بأكملها.

تتشابه الكثير من سمات وسلوكيات وأعراض اضطراب الشخصية المتحاشية، مع اضطراب الرهاب الاجتماعي، بالرغم من أنهما مفهومان مختلفان تمامًا، مما أثار جدلًا كبيرًا بين الباحثين، وجعل البعض يرجح أن هذين الاضطرابين وجهان لعملة واحدة، باختلاف المفاهيم فقط، وجعل البعض الآخر ينفي هذا الافتراض، نظرًا لأن الشخصيات المتحاشية تعاني كثيرًا، ويستغرق علاجها وقتًا أطول، حيث يكون لديها اضطراب شديد جدًا في الشخصية، بعكس أولئك الذين يعانون من الرهاب الاجتماعي.

بواسطة
مصدر 2
المصدر
مصدر 1

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى