الصحة النفسية

العزلة.. وكيف يستغل المبدعون فترات الوحدة؟

يمتلك العقل الجمعي تصورًا ناقصًا عن العزلة، باعتبارها دائمًا خيارًا للضعفاء، الذين لم يستطيعوا تحمُّل ضغوطات الحياة الصعبة والتأقلم معها، لذلك ينظر إليها كقرار بائس لا يمكن أن ينتج عنه خير، إلا أننا هنا لنخبرك أنه من الممكن أن تكون هذه التجربة بقدر سوئها وصعوبتها، رائعةً.

ما هي العزلة؟

العزلة بشكل عام هي تجربة شعورية يمر بها معظم البشر، حيث يعيش الإنسان فترات من الرغبة في الانفصال عن المحيطين به جسديًا، أو الإحساس برفض المجتمع له، ويشعر الشخص المنعزل بالوحدة، القلق، بل أحيانًا يصل الأمر إلى دخوله في نوبات اكتئاب، حتى وإن كان قد اختار الانعزال بمحض إرادته.

أنواع العزلة

العزلة
العزلة الاجتماعية.

طبقًا للمختصين بعلم النفس الاجتماعي، للعزلة أنواع، تتضح وفقًا لرؤية الإنسان للعالم والأشخاص من حوله، وتنقسم بشكل عام إلى صنفين؛ العزلة الاجتماعية، والعزلة الشعورية، وهو ما نحن بصدد شرحه الآن.

العزلة الاجتماعية

العزلة الاجتماعية هي غياب العلاقات الاجتماعية لدى الإنسان، وتختلف تمامًا عن الوحدة، لأن الوحدة أحيانًا تكون برغبة الشخص وأحيانًا رغمًا عنه، إلا أن العزلة شعور لا يحب أي إنسان اختباره.

ومن مظاهر هذا الشعور الأبرز الابتعاد عن التفاعل مع الآخرين، قضاء أوقات طويلة في وحدة، الإصابة بالقلق الاجتماعي، سطحية العلاقات ويمكن أن تصل الأمور أخيرًا إلى الإحباط.

العزلة الشعورية

تتمحور العزلة الشعورية في مفهوم الرغبة؛ حيث يفتقد الشخص في الرغبة أو القدرة على التواصل مع الآخرين، على الرغم من تواجدهم بالقرب منه، بمعنى أن الإنسان الذي يختبر هذه التجربة الصعبة من الممكن جدًا أن يكون محاطًا بأشخاص كُثر، لا يمتلك أي مشاعر سلبية تجاههم، لكنه فقط لا يشاركهم نفس لغة الحوار، بالتالي يقرر الانسحاب شعوريًا، وتسطيح أي محادثات ممكنة مع من حوله.

العوامل التي تؤدي إلى العزلة

العزلة
وسائل الأعلام ووسائل التواصل الاجتماعي.

وضع المختصون سلسلة من العوامل التي يمكن أن يكون لها دور مؤثر في تعرض الأشخاص للشعور بالرغبة في الانعزال عن المحيطين بهم، لكن مع الأخذ في الاعتبار، تجاهل المواقف الشخصية التي يمكن أن تقود أي متعرّض لها لنفس القرار بالانعزال، وتم اختصار هذه العوامل في 3 رئيسية نشرحها فيما يلي.

النوع

بشكل عام، يميل الرجال للعزلة بشكل أكبر من النساء، بينما يميل الرجال لعدم الاعتراف بالوحدة مثل النساء، لكن هذا لا ينفي بكل تأكيد إمكانية تعرّض الإناث للإصابة بالعزلة، خاصةً وأن السيدات -بحكم الأمومة- يملن للانعزال الاجتماعي أثناء فترات الحمل والإرضاع وسنوات الطفل الأولى، نظرًا للإرهاق النفسي والجسدي المصاحب لتلك العمليات.

العُمر

مبدئيًا لا ترتبط عزلتك بسن معين، حيث يمكن أن يختبرها الإنسان بأي مرحلة عمرية؛ سواءً كان طفلا يعاني من تجاهل والديه، مراهقًا لا يجد من يفهم متطلباته، أو بالغًا انغمس في حياته العملية.

لكن الأكيد أن هذا الشعور يتضاعف عند بداية كل مرحلة عمرية جديدة، حيث تتجلى التغيرات النفسية والفسيولوجية، بينما يصل في الغالب إلى ذروته في سن الـ45، وهي مرحلة منتصف العمر، ليهدأ الشعور بالعزلة لفترة، ثم يعود ليداهم الإنسان في فترات التقدُّم بالعمر، حيث تحدث متغيرات مثل وفاة الشريك، الوصول لسن التقاعد وعدم القدرة على الحركة، لذلك نجد أن معظم من تخطى عامه الـ65 غالبًا ما يعيش في عزلة تامة.

وسائل الإعلام

للوهلة الأولى قد تعتقد أن وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي تلعب دورًا إيجابيًا في إبقاء الإنسان على تواصل دائم مع ما يحدث من حوله، وهذه نصف الحقيقة فقط، لأنه طبقًا لنتائج بعض الدراسات، ثبت أن وسائل الأعلام والتواصل لها تأثير سلبي واضح جدًا، وهو إبقاء البشر في عزلة عن بعضهم البعض، واكتفائهم بتلقي الأخبار عن طريقها، لأنها حلّت بشكل ما كبديل للاتصال الفعلي الناجم عن الحوارات والنقاشات بين الناس.

ما هي العزلة الرائعة؟

العزلة
إسحاق نيوتن.

دون شك، هو شعور سيئ، لكن كما ذكرنا يمكن لهذا الشعور أن يكون رائعًا، فطبقًا لـ«بليز باسكال»، عالم الرياضات والمخترع الفرنسي، تنبع كل مشاكل البشرية من عدم قدرة الإنسان على الجلوس بهدوء في غرفة بمفرده، وفيما يلي سنطرح لك عديد النماذج الذين قادتهم العزلة الإجبارية إلى الجلوس وحيدين، لكن لإظهار إبداعاتهم للعالم.

شكسبير

بشكل ما تم تحديد حياة شكسبير، الكاتب والشاعر المسرحي الإنجليزي الكبير، بسبب مرض الطاعون، ففي عام 1564، بعد 3 أشهر من ولادته، بدأ المرض في الانتشار الطاعون، حيث استسلم 4 من أشقاء شكسبير للطاعون بالإضافة إلى ابنه الوحيد هامنت، لكن هذه ليست القصة كاملةً، فبحلول العام 1603، تقرر إغلاق كل دور العرض، بسبب تفشي الوباء، مما أجبر شكسبير نفسه لإغلاق مسرحه.

كممثل، لم يكن باستطاعة شكسبير العمل من المنزل ولكن ككاتب مسرحي وشاعر تمكّن من أن يتابع بعض أعماله الكتابية، فوفقًا للمؤلف «جيمس شابيرو» في كتابه عام لير، ادعى أن شكسبير كتب 3 من أشهر مؤلفاته، الملك لير، ماكبث وأنتوني وكليوباترا خلال فترة الحجر، حيث مثّل الطاعون الفرصة له للكتابة وربما كان مصدر إلهام لكتابته.

نيوتن

كان الطاعون العظيم أسوأ انتشار للوباء في بريطانيا منذ الطاعون الأسود عام 1347، حيث وصل تفشي المرض من لندن إلى مدن بريطانية أخرى، مثل كامبريدج مما أدى إلى إغلاق الجامعة التي كان يدرس فيها إسحاق نيوتن البالغ من العمر آنذاك 22 عامًا.

اضطر نيوتن إلى التخلي عن دراسته، وعاد إلى منزل عائلته في لينكولنشاير، حيث بدأ العمل على العديد من النظريات التي أصبحت الأفكار التي تشكل فهمنا لقوانين الطبيعة الآن، لأنه وبسبب العزلة الإجبارية، تحرر من التزامات الحياة الجامعية، وكان لديه الوقت لتكريس نفسه لفترة من الدراسة الانفرادية المثمرة حيث طور نظريات حول التفاضل والتكامل والحركة والبصريات وقوانين الحركة والجاذبية.

ختامًا؛ من المؤكد أنه لا يوجد من يفضل العزلة، سواءً كانت نفسية أو اجتماعية، راضيًا أو مرغمًا، إلا أن الأهم هو عدم الرضوخ لذلك الشعور، واستغلال هذه الفترات بأفضل صورة ممكنة.

المصدر
مصدر مصدر 1 مصدر 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى