«بيسونيا».. والعلاقة العجيبة بين الطيور والشجرة القاتلة

تعرف الأشجار عادة بأنها الملاذ الآمن والموئل الهادئ للطيور، حيث تبني فيها أعشاشها، وتترك فيها صغارها دون خوف، وتغدو وتروح منها وإليها، وهذا ينطبق على جميع الأشجار، إلا «بيسونيا».. الشجرة القاتلة.

بيسونيا

هي نوع من النباتات المزهرة التي تنتشر أشجارها في الموائل الاستوائية، خاصة جزر البحر الكاريبي والمحيطين الهندي والهادئ، وتنتمي هذه النبتة إلى فصيلة تعرف باسم «زهرة الساعة الرابعة».

وقد سميت بيسونيا نسبة إلى اسم ويليام بيسو الهولندي، إذ كان عالم طبيعة وطبيبا مشهورا، ويعتبر أول من شارك كطبيب استكشافي في حملة البرازيل الهولندية لمدة 7 سنوات، تحت رعاية الكونت يوهان موريتس وشركة الهند الغربية الهولندية، بالإضافة إلى أنه أحد مؤسسي طب المناطق الحارة، وهو فرع متعدد التخصصات من الطب في المناطق المدارية وشبه الاستوائية، والذي يتعامل مع المشكلات الصحية التي تحدث بشكل فريد والتي يصعب السيطرة عليها.

بيسونيا

الأشجار القاتلة

تعرف أشجار نبتة بيسونيا وبعض الأنواع في هذه الفصيلة باسم «الأشجار القاتلة» أو «صائدة الطيور»، ويعود السبب في هذه التسمية إلى أنها تقوم بقتل الطيور، حيث إنه من المتعارف عليه أن النباتات تعتمد على الطيور والحشرات في نثر بذورها، عندما تقوم النباتات بجذب الملقحات عن طريق إطلاق مركبات عطرية فواحة في الهواء، أو عن طريق إنتاج رحيقها العذب الذي تتغذى عليه الطيور والحشرات ونشره في الأجواء، ولكن ما يحدث أن مظهر نبات بيسونيا والرحيق الذي يفوح منها يقوم بإغراء الطيور الصغيرة التي لا تزال تبني أعشاشها، مما يجعلها تتوجه فورا إلى أغصان النبتة المحملة بالبذور.

بيسونيا

من المفترض أن تتساقط بذور بيسونيا العالقة بريش الطيور، بعد مرور بعض الوقت بمجرد أن تحلق هذه الطيور إلى مكان آخر، ولكن مع تطور نبات بيسونيا الهائل لم تعد الطيور تستخدم كناقلات للتلقيح، بل ينتهي بها الحال ضحية للجوع أو الحيوانات المفترسة التي تتغذى عليها، بعد أن تسقط أرضا إثر كمية البذور الكبيرة العالقة بريشها، والتي تحول بينها وبين قدرتها على الطيران وخاصة الطيور الضعيفة صغيرة الحجم.

بيسونيا

تقوم أشجار بيسونيا بإنتاج كمية وفيرة من البذور الطويلة، التي تنمو في عناقيد كبيرة متشابكة وتحمل كل مجموعة منها ما يتراوح بين 12 إلى 200 بذرة وأكثر، وتكون هذه البذور مغطاة بطبقة مخاطية سميكة، وكلابات صغيرة الحجم تلتصق بأي شيء يعوق طريقها.

بيسونيا

وتزهر هذه الأشجار مرتين في السنة، ويتزامن وقت ازدهارها مع ذروة هجرة الطيور البحرية إلى الجزر، والتي تتجه مباشرة إلى أشجار بيسونيا لتبني أعشاشها حتى تلد صغارها، ولكن سرعان ما ينقلب المشهد إلى مشهد مأساوي عندما ترى الطيور الأم صغارها وهي عالقة في العناقيد اللزجة المتشابكة، ولكنها لا تستطيع حتى إنقاذها حيث تجعلها هذه البذور غير قادرة على الطيران أو الحركة، فتكون النتيجة أنها تموت جوعا بين الأغصان والفروع التي علقت جثثها المحنطة عليها في مشهد مرعب.

حاول بعض العلماء التوصل إلى سبب يفسر هذا السلوك المروع لأشجار بيسونيا، أو معرفة ما إذا كانت هناك أية فوائد تطورية تستمدها الشجرة من قتل الطيور وتحلل جثثها عليها، وذكرت إحدى الفرضيات أن الأشجار تحصل على عناصر غذائية متزايدة من تحلل جثث الطيور التي تسقط عند سفح الأشجار.

فرضيات لا تثبت شيئا

وفي هذا الصدد قام عالم البيئة بجامعة فيكتوريا آلان برجر، بتحليل الشتلات التي تنبت بالقرب من جثث الطيور في جزيرة كوزين Cousin، لكنه لم يجد أي دليل يشير إلى أن البذور كانت تنبت بشكل أفضل جراء تحلل الجثث، بالإضافة إلى ذلك فقد حصلت الأشجار على سماد أكثر بكثير عن طريق فضلات الطيور والبيض المتساقط عليها، ما يشير إلى أن الطيور وهي حية كانت أكثر قيمة بكثير لتلك الشجرة.

كما قام برجر باختبار نظرية أخرى عن طريق غمر بذور بيسونيا في مياه البحر، ظنا منه أن جثث الطيور قد تجرف البذور للجزر مما يؤدي إلى انتشارها فيما بعد، ولكن النتيجة لم تكن في صالح فرضيته حيث وجد البذور ميتة في المياه المالحة بعد 5 أيام فقط، وبذلك استبعد برجر احتمالية أن تستخدم البيسونيا جثث الطيور لتوزيع البذور على الجزر النائية.

وبناء عليه ذكر برجر في مجلة البيئة الاستوائية عام 2005 أن فرضياته أثبتت بشكل قاطع عدم استفادة أشجار بيسونيا من جثث الطيور المتحللة العالقة بها.

في الوقت الحالي يعمل ناشطو الحفاظ على البيئة في جزيرة كوزين على استبدال أشجار بيسونيا بأنواع أخرى من الأشجار المحلية لمساعدة الطيور البحرية على التعافي والعيش، كما أنهم يبحثون بنشاط مستمر عن الطيور التي وقعت ضحية بذور بيسونيا المتشابكة وينظفونها بعناية قبل إعادتها إلى الشجرة.

إلا أن المثير للدهشة أن العديد من الطيور البحرية تبدو وكأنها تحب أشجار بيسونيا، حيث تقول بيث فلينت عالمة الأحياء البرية في خدمة الأسماك والحياة البرية الأمريكية: «من النادر جدا رؤية شجرة بيسونيا لا تحتوي على طيور بحرية».

الكاتب


  • مؤلفة روايات، لي رواية بعنوان «سفراء الجان» قيد الطباعة. حاصلة على ليسانس آداب وتربية قسم اللغة الإنجليزية..

مصدر طالع الموضوع الأصلي من هنا
علق على الموضوع
DMCA.com Protection Status