آراء ومساهمات

سامح مبروك يكتب: ترندات وتوباكو.. «أكاد من فرط الجمال.. أذوب»

 

ترندات وتوباكو

إلى أمستردام

على السادة الركاب ربط أحزمة الأمان استعدادا للهبوط.

كلمات لها في النفس مفعول السحر، لما تحمله من معان ومشاعر متباينة، فقد تعني العودة للوطن والحنين والأهل والأحبة والأصدقاء، وقد تعني عملا ووحدة وغربة ومسؤوليات، وقد تعني مغامرة جديدة وشغفا وحضارة جديدة، وتلك هي المعاني الأخيرة التي انطبعت بقلبي عند سماعها في هذه المرة، ولن أذيع سرا أنها كانت المعاني الوحيدة التي اختبرتها وللمرة الأولى في حياتي كافة، فإنها المرة الأولى التي تطأ قدماي فيها أرضا خارج حدود المحروسة، وقد كنت على موعد مع الكثير من المرح والمغامرة، وأي مرح يفوق زيارة أمستردام.

نعم أمستردام، ليست فقط المباني العتيقة والجميلة والحضارة والقنوات المائية رائعة وحقول زهور التوليب وطواحين الهواء والطبيعة الخلابة فقط، إنما كان أول ما تبادر إلى ذهني تماما مثلك صديقي القارئ، منطقة الضوء الأحمر الشهيرة التي تعد الأكبر في العالم، والأعشاب المخدرة المباحة على الملأ وبشكل شرعي، صورة استحضر الذهن في تفاصيلها الشيقة مطلع أغنية التهامي الشهيرة «أكاد من فرط الجمال.. أذوب».

وازداد الجمال جمالا مع احتكاك عجلات الطائرة بالمدرج إعلانا لهبوطها، بلهفة كبيرة ونظرات زائغة كادت تلتهم ما حولها من نظام وجمال وحضارة استكشفت ورفيقي المطار وعبرنا بسهولة ويسر على غير المتوقع الجوازات، وكأي مصري أصيل يمر بهذه التجربة لأول مرة كان صدري يحدثني أن شيئا ما سيحدث ولن أعبر، ولكن ها نحن نستقل سيارة الأجرة في الطريق إلى الفندق لترك الأمتعة سريعا وبدأ المغامرة.

حلال وحرام

في الفندق الأنيق الصغير المتاخم لمحطة القطار الرئيسية بأمستردام، وفي تمام السابعة مساء، كنت وصديقي محمد نهم بالانطلاق لكتابة أول سطور المغامرة الجديدة، ولن نستطيع بالطبع كتابة شيء على معدة خاوية، فوجبة الطائرة لا تسمن ولا تغني من جوع، فكانت أولى المحطات أن نبحث عن مطعم «حلال» نشبع فيه نداء البطن أولا ثم نقوم تباعا بتلبية رغبات باقي الأعضاء، وباستخدام محركات البحث بحثنا عن مطعم يقدم الأكل الحلال ووجدنا ضالتنا في مطعم تركي يبعد 15 دقيقة من المشي عن الفندق، كان اختيارا مناسبا يعطينا فرصة أيضا في استكشاف المدينة وقت الغروب.

سرنا نخترق الشوارع الجميلة على ضفاف القنوات المائية الخلابة والمباني المتنوعة ما بين الحديث والتاريخي على الجانبين، وكانت الأضواء بيضاء رائعة، ورويدا رويدا احمرت الأضواء وتبدل الحال من جمال ورقي وأناقة لصخب وزحام، سألت صديقي إن كنا ما نزال بالطريق الصحيح فأكد لي الخبر ولكنه أضاف أننا الآن نعبر منطقة الضوء الأحمر الشهيرة فخفق قلبي عندما لاحت الفاترينات الزجاجية الشهيرة بما تحويه من متع وملذات حرام تبهر عيون الزائرين وتغويهم.

مطعم المصريين

اختلط نداء البطن مع إلحاح الجوارح وزاغ البصر والعقل، فهباء راحت محاولات البحث عن المطعم المنشود مع إلحاح الجوارح على الانحراف عن الطريق المفروض، ووسط الأضواء الحمراء والفاترينات الزجاجية البراقة لاح من بعيد ضوء أصفر كتبت عليه كلمات تأسر اللب والعقل والبطن، رأينا وسط جهنم الحمراء التي كنا نسير في طرقاتها مشدوهين لافتة صفراء مكتوب عليها بلغات متعددة أبرزها العربية «مطعم المصريين».

كان للبطن والقلب الغلبة على باقي الجوارح في تلك اللحظة، وبعد نظرة وابتسامة خاطفة متبادلة بيني وبين رفيقي اتجهنا إلى المطعم نحمل الشوق والفرح والحب والحنين، ولا أعلم أي حنين هذا ونحن قد غادرنا مصر فقط صباح اليوم، عجيب أمركم أيها المصريون، دخلنا المطعم كأننا ندخل بيت جدتنا بعد طول غياب.

أنا: مطعم المصريين، مطعم المصريين، السلام عليكو، ازيكو يا رجاله، مسا مسا على أحلى مطعم في هولندا كلها، إيه الحلاوة دي؟

التف من حولنا العمال في المطعم الذين كانت غالبيتهم من المصريين مرحبين ومبتسمين، كان الترحاب على قدر الفرح، أجلسونا على طاولة متواضعة في وسط المطعم، وبعد لحظات أتى للترحيب بنا رجل مصري أصيل رسم الماضي تاريخ مصر كاملا على خطوط وتجاعيد وجهه، فخفق قلبي لرؤيته ووقفت أستقبله، وكان صديقي محمد إلى جواري يتعجب من فرط تأثري وعاطفيتي الجارفة، ثم خاطبت الرجل:

أنا: ازيك يا عم الحج، إيه الجمال دا، دا أنا «أكاد من فرط الجمال.. أذوب»

إبراهيم: أهلا بيكم يا باشا شرفتونا، إنتوا أول مرة تشرفونا هنا في أمستردام ولا زرتوها قبل كده؟

أنا: لسه واصلين النهارده، وواقعين من الجوع، كنا بندور على مطعم حلال لغاية ما جينا بالغلط جهنم اللي بره دي، بس ربنا كرمنا وشوفنا المحل بتاعك، جينا جري.

إبراهيم: نورتونا.

أنا: وانت بقالك قد إيه هنا يا حج؟

إبراهيم: ياه يعدي العشرين سنة.

أنا: ياه ما شاء الله، على كده بقا المحل دا بتاعك ولا شغال فيه ولا إيجار؟

الحاج إبراهيم

لاحظت تململ الرجل من أسئلتي وابتسامة رفيقي إلى جواري ولكن الراجل أجاب:

إبراهيم: المحل بتاعي يا باشا نشكر ربنا.

أنا: ياه، ما شاء الله، على كده بقا ينفع المصريين يتملكوا هنا ويبقى عندهم بزنس وكده؟

لم يرد الرجل بل ازداد توترا وإحراجا، ولكني أدركت هذا متأخرا وواصلت حديثي.

أنا: بس معلش يا عم الحج أنا ملاحظ إنك فاتح مطعمك في قلب المواخير اللي بره دي، ما لاقتش حته أنضف من دي تفتح فيها، مش حرام أصلا نفتح في حي الشياطين دا؟

إبراهيم: معلش يا باشا النصيب.

أنا: بس والله يا حج إحنا وقعنا من السما وإنت استلقيتنا، بس إيه اللي هناك دا يا حج، دا بار خمرة دا؟ استغفر الله العظيم، مش حرام دا يا عم الحج؟ مش بيع الخمرة حرام ولا أنت سألت شيخ ولا معاك فتوى ولا إيه؟

إبراهيم: معلش يا باشا الظروف، إنتو تؤمرونا بإيه.

صلاة الجمعة

كان صديقي إلى جواري يحاول كبت جماح موجات الضحك العاتية، وكان الرجل يتصبب عرقا من الإحراج، ولم أكن أعلم لماذا كل هذا اللغط على الرغم من منطقية أسئلتي، وكان كثير من الأسئلة ما زالت تتبادر إلى ذهني فقلت:

أنا: طيب معلش يا حج سؤال أخير، بكرة الجمعة وإحنا لسه واصلين وأغراب، إنت بتصلي الجمعة فين بقا عشان نصلي سوا إن شاء الله.

إبراهيم: اسأل يا باشا في الريسبشن بتاع الفندق وهما هيدلوك لأقرب مسجد، تحبوا تاكلوا إيه؟ عندنا كل أنواع الأكل بما فيها المصري طبعا.

أنا: أوبا أكل مصري، يا حبيبتي يا مصر، بس أكلكم حلال يا باشا طبعا؟

إبراهيم: يا باشا سيبها على الله كل نعم ربنا حلال.

أنا: وإنتو بتجيبوا الأكل الحلال دا هنا ازاي يا حج؟ سبحان الله، اوعى يا عم الحج تكونوا بتضحكوا علينا وإلا ربنا يخسف بيكم الأرض وتتشووا في نار جهنم.

إبراهيم: يا باشا أؤمر تحب تاكل إيه؟

أنا: خلاص يا حج صلي على النبي، مالك قفشت ليه إحنا بنحكي مع بعض، صلي على النبي.

هنا صاح صديقي وهو يطلق العنان لضحكاته العالية:

محمد: يا بني آدم مش شايف صور العذرا والمسيح على الحيطان، وبعدين إنت جاي تعمل فيها شيخ هنا إنت عمرك ركعتها أصلا يا رامي؟ خف عن الراجل بقا إنت قرفته خلينا ناكل وما نعذبش الناس أكتر من كده.

أصابت نوبة ضحك عارمة كل من كان يلاحظ الحديث الدائر في المطعم وتحرجت كثيرا وأتى الأكل وأكلت وصديقي وبعد أن فرغنا أتانا صاحب المطعم ثانية ليطمئن إن كان الطعام قد لقي إعجابنا أم لا، فأجبته بصدق تام وبدون أي تردد.

أنا: الله الوكيل يا عم الحج الأكل كان زي الزفت، روح يا شيخ الله يسامحك إنت والمنطقة اللي إنت فاتح فيها دي.

 

إخلاء مسؤولية: المحتوى في قسم الآراء والمساهمات لا يعبر عن وجهة نظر الموقع وإنما يمثل وجهة نظر صاحبه فقط، ولا يتحمل الموقع أي مسؤولية تجاه نشره.

 

الكاتب
  • سامح مبروك يكتب: ترندات وتوباكو.. "أكاد من فرط الجمال.. أذوب"

    سامح مبروك، كاتب وروائي مصري، من مواليد 1981، حاصل على بكالوريوس العلوم، صدرت لي رواية «زرادوستاز – نبي أهل النار» عن دار الحلم للنشر والتوزيع حيث دشنت طبعتها الأولى في معرض الشارقة الدولي للكتاب أكتوبر 2020، وتلتها طبعتها الثانية في معرض القاهرة الدولي للكتاب يونيو 2021.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
قل ودل فعّل التنبيهات واحصل على جديد موقع قل ودل أولا بأول
Dismiss
Allow Notifications