آراء ومساهمات

سامح مبروك يكتب: ترندات وتوباكو.. “الثانوية اللعنة”

ترندات وتوباكو هي استحضار أدبي لما يدور في فضاء منصات التواصل الاجتماعي من أخبار ومناقشات وحتى نكات، نناقش فيها بشكل أدبي تلك الأمور التي يسميها مستخدمو تلك المنصات “ترند”، فنتناولها في شكل قصص قصيرة لا تحمل انتماء معينا ولا تميل إلى جهة على حساب الأخرى، إنما تنقد الظواهر الشاذة وتدعم الظواهر الإيجابية وتلقي بعض الضوء على أمور أخرى، قد تكون إنسانية أو تراجيدية أو حتى كوميدية لطيفة.
حيث الاسم العام لسلسلة المقالات هو “ترندات وتوباكو” بينما يحمل كل مقال عنوانه الخاص، كالمقال الذي أبدأ به اليوم تحت عنوان “الثانوية اللعنة”.

ترندات وتوباكو.. "الثانوية اللعنة"

السادسة صباحًا

في السادسة صباحًا يخرج من باب بيته خائر القوى منهك الأوصال يحاول يلملم شتات تركيزه الضائع بسبب التوتر وندرة النوم، فقط دعوات أمه وأبيه كانت تصاحبه وهو يخرج من الباب كأنه ذاهب إلى حتفه، فكانت أمه “مفطورة” وكاد أبوه يبكي من فرط القلق والتأثر.

كان هذا هو اليوم المنتظر منذ سنين، يوم الحصاد، مشى بخطوات مترددة وهو يخشى أن يفتح الباب لخياله لما هو مقدم عليه، يقف على قارعة الطريق العمومي في انتظار السيارة التي ستحمله من قريته النائية إلى المركز حيث يكون على موعد مع إحدى الخطوات النهائية في تحقيق حلمه وحلم أبيه وأمه وإخوته الصغار بل حلم القرية كلها.

وقف ينتظر تلك السيارة نصف النقل أو ربع النقل كما يدعونها في أماكن أخرى، المتهالكة ذات الصندوق الخلفي المغطى بقطع قماش مهترئة، يمني نفسه بأن يجد مقعدا في مقدمة السيارة يوفر له بعض السكينة أو ربما القليل من النعاس الذي قد يخفف حدة أرق الليلة الماضية، ولكن سرعان ما تكسر الحلم أمام أول سيارة ممتلئة تتوقف أمامه بعد وقت طويل من الانتظار، ولم يكن من بد من الوقوف على الصدام الخلفي للسيارة والإمساك بالصندوق الحديدي في رحلة العشرين دقيقة المعتادة إلى المجهول.

يوم الحصاد

وبينما كانت نسمات الهواء تتلاعب بشعره وعقله بدأ يستحضر في ذهنه ما كان قد حضَّره ليوم الحصاد الكبير، فاليوم هو يوم امتحان الرياضيات في عامه الثالث من المرحلة الثانوية.

منذ نعومة أظافره وهو يتأهب وأهله ويتم إعداده لهذه الملحمة ولهذا اليوم، وحتى قبل بداية السنة الدراسية قد فرض أهله حالة الطوارئ العامة وسحبت كل أجهزة الترفيه منه ومن إخوته، وتم فرض حظر التجول العائلي أثناء مذاكرته، وكان أبوه يعمل بجد ويكدح في أكثر من وظيفة لتوفير متطلباته ودروسه وكافة ما يلزمه.

وصل موقف السيارات في أطراف المدينة وانطلق على قدميه سعيا إلى غرفة حصص التقوية لكي يحضر حصة المراجعة النهائية ما قبل الامتحان بسويعات.

ولكنه لاحظ أنه يضل الطريق، أخذ يعتصر ذاكرته للذهاب لتلك الغرفة التي ظل يرتادها طوال العام أكثر من مرتين أسبوعيا ولكنه كان عالقا في إحدى متاهات الوهم، يمشي بلا هدف ولا يصل إلى وجهة، انتابه الرعب وبدأ يبحث عن حل بديل ينقذ طموحه وأحلامه، فقرر أن يتجه للمدرسة مباشرة لكيلا يتأخر عن الامتحان، ويستذكر أثناء طريقه مراجعته للمادة بالليلة الماضية.

عصر مخه ولم يجد إلا شيئا واحدا هو العدم، حرفيا لا شيء، فهو لا يتذكر الحصص ولا المنهج ولا الأرقام ولا الكلمات ولا أي شيء، إن الحلم يهرب منه، إنه حقا مرتعب، يرتعد من فرط الخوف، صرخ قلبه داخله اليوم تحصد ما زرعت من إهمال واستهتار، يركض كالمجنون في طرقات المدينة لعله يدرك أصدقاءه قبل الامتحان فيساعدونه بأي معلومة، ولكنه لا يتذكر أي أصدقاء.

اللعنة

وصل فجأة إلى بوابة المدرسة ولا يعلم كيف هداه الطريق إليها، ليجد زملاءه يخرجون من البوابة أفواجا يتضاحكون، فيقترب منهم في وجل مفزوعا يسأل: هل انتهى امتحان الرياضيات؟

فيتعجب الطلبة من سؤاله واستهتاره: أي رياضيات وأي امتحان أيها الفاشل، لقد كان اليوم امتحان اللغة العربية وقد انتهى لتوه يا لك من مستهتر فاشل.

فجأة ترتفع أصوات مزعجة ومرعبة في محيط المدرسة، أصوات يدركها جيدا، إنها موسيقى مزعجة، إنها نهاية العالم، بل هذا أذان، بل أجراس كنيسة، بل إنذار حريق، بل جرس إنذار، أو إنه المنبه!!

يفتح عينيه ليدرك أنه صوت المنبه يوقظه ليلحق بدوامه ليذهب ويقضي آخر أيامه في وظيفته قبل التقاعد والإحالة إلى المعاش.

ليدرك أنه ذات الكابوس من جديد، واحد من سلسلة الكوابيس العالقة في الذاكرة ولا تنفك تتكرر مرات ومرات بلا كلل ولا ملل ولا انقطاع منذ أصيب بتلك اللعنة.. إنها الثانوية اللعنة.

تعليق واحد

  1. ينقلنا سامح مبروك في كتاباته إلى ما هو أعمق من المشهد، محاولا سبر أعماق الشخصية التي يعرضها. في هذا الترند استطاع ان يختزل سيرة حياة رجل وتطورها بدءا من سن الطفولة، فنراه ينمو أمام ناظرينا مع كل مشهد بشكل تدريجي وبأسلوب كاروكاتوري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى