آراء ومساهمات

سامح مبروك يكتب: ترندات وتوباكو.. “هرمونات قاتلة”

ترندات وتوباكو

العاشرة مساءً

مع دقات الساعة العاشرة مساءً لملم “رالف” أغراضه وودع زميلته وربة عمله في ذات الوقت “رولينا”، التي كانت تمثل معنى اسمها وبدقة شديدة، فقد كان اسمها يعني (المرأة الخالية من العيوب) وكانت بالفعل كذلك فلا عيوب تذكر استطاعت أن تنال من جمالها الأخاذ وعودها الممشوق وطلتها الراقية اللطيفة، وكان هذا بالطبع من حسن حظ “رالف” ومن سوء طالعه في ذات الوقت.

خرج رالف من ذلك المطعم الصغير الذي يعمل به كنادل، كان المطعم يقع في إحدى زوايا ساحة تسمى “رومر” والتي تعد من أعرق الساحات وأقدمها في مدينة “فرانكفورت” الألمانية التي تقع في وسط غرب ألمانيا على ضفاف نهر “الماين”، تلك المدينة التجارية الرتيبة الكئيبة في كثير من الأحيان، خرج يخطو بخطوات ثقيلة كما كان يوم عمله ما بين تلك الكنائس والمباني العتيقة التي تزين تلك الساحة وتجعلها قبلة لزوار مدينة فرانكفورت في هذا الوقت من العام، في النصف الثاني من شهر أكتوبر حيث معرض فرانكفورت الدولي للكتاب الذي يرتاده آلاف الزوار من مئات الجنسيات من العالم.

جسر الحب

وبعد خطوات قليلة كان يعبر “الجسر الحديدي” كما يسميه سكان المدينة والذي يقطع نهر “الماين” الشهير، ذات الجسر الذي يسميه زوار المدينة “جسر الحب”، لما يضمه من آلاف الأقفال التي يضعها العشاق على جانبيه ثم يلقون بمفاتيح تلك الأقفال في قاع النهر في نسك غريب ينتهي بإعلان علاقة لا تنفك قيودها بين العشيقين كما القفل الذي لا ينفك بعد ضياع مفتاحه.

وما هي إلا خطوات حتى اختلس النظر كما هي عادته لذلك القفل الذي وضعه وصديقته “جيزيل” قبل سنتين عندما كانت العلاقة بينهما تبشر بالكثير من الحب والود بل كانت مفعمة بالتفاهم والتجانس، ولكن كعادة تلك القصص فعلت الأيام أفاعيلها المعهودة في تلك العلاقة فبدلتها وحولتها من جنة خلد إلى نار موقدة، نظر نحو قفل حبه بحسرة وندم ولكنه فوجئ بأن القفل قد اختفى، فلابد أنه قد حان وقت إزالته مع ما يزال كل عام من أقفال لما يتثاقل حمل الجسر.

الرهينة

في تلك اللحظة قرر أن يتمرد على “جيزيل”، فقد اكتفى من تلك الغيرة اللعينة التي تنغص عليه حياته، ظنها في البداية أسيرته كما يعني اسمها (أسيرة حرب أو رهينة) ولكنه فوجئ بنفسه هو أسير شباكها وغيرتها ونكدها المستمر، فبعدما انتقلا للعيش معا في تلك الشقة الصغيرة على الجانب الجنوبي من نهر “الماين” بشهور، والتحق بذلك العمل في المطعم الذي تملكه “رولينا” حتى استحالت حياته معها لجحيم، فكانت صديقته دائمة الشك، مفرطة لغيرة، تفتقد للكثير من ثقة النفس، ومع جهل رالف في التعامل مع تلك الحالات أو حتى ملاحظتها دخلت “جيزيل” رويدا رويدا في حالة من الاكتئاب حتى وصلت في هذه الأيام لإحدى مراحل الاكتئاب المتقدمة وهي تمني الموت.

لم يكن “رالف” فقط قليل الخبرة في احتواء تلك الحالة بل إنه بدأ يتأثر بها وينفر منها وينفر من حياته ككل، مما أرق عليه عودته وزاد منه همومه وأحال مسكنه من سكن إلى مصدر أكبر من مصادر الألم.

فتح باب شقته الصغيرة في الطابق الثاني، ليجد “جيزيل” منهارة في إحدى نوبات البكاء المتصلة في الأيام الفائتة، وما إن رأته حتى ازدادت وتيرة البكاء، فما كان منه إلا أن انفجر هو الآخر وأخذ يتكلم بحدة:

رالف: كفانا من هذا العويل، لقد سئمته وسئمتك وسئمت الحياة ككل، أهكذا تستقبلين صديقك بعد يومه المضني وعمله الشاق؟ لقد اكتفيت حقا.

جيزيل وكانت قد زادت من شدة العويل وحدة الصوت: لقد كنت أعلم أن هذه اللحظة آتية لا محالة، فمنذ أن لاحت كاملة الأوصاف “رولينا” في حياتك حتى تبدلت وتضاءل اهتمامك بي حتى أصبحت هامشا في حياتك لا يمثل أي قيمة.

العلاقة المميتة

رالف بحدة: حقا؟ عن أي شيء تتحدثين، أنت تعلمين كما أعلم أن فرصة العمل تلك مع هذا الراتب كان السبيل الوحيد لتسديد الأقساط وتوفير احتياجات حياتنا معا، وتلك السيدة ما هي إلا زميلة وربة عمل وقد أقسمت لك على هذا مرارا وتكرارا، ماذا عساي أن أفعل الآن؟ ولكني فهمت، فكما تدعين أنا المشكلة وأنا أيضا الحل، سأتركك لتعيشي في أوهامك تلك لعلها تنفعك، لقد انتهينا من هذه العلاقة المميتة، وداعًا “جيزيل”.

جيزيل تصيح: حقا إنك اسم على مسمى فما أنت سوى ذئب مخادع تقتل ضحاياك بمكرك وبلا رحمة فلتذهب إلى الجحيم.

خرج “رالف” من الشقة مندفعا ويشعر أن حملا ثقيلا قد سقط من فوق كاهله، وفي الداخل اسودت الدنيا في وجه “جيزيل” وتوقف عقلها عن التفكير وأظلم تماما ثم أضاء على كلمة واحدة “الموت”، فاندفعت تركض نحو شرفة المنزل المطلة على الشارع وقفزت لتعيد الوديعة إلى صاحبها عساها تجد الراحة أخيرا.

كان رالف يخطو أولى خطواته خارج المبنى الذي كان يسكن به وما زال ينفض عن كتفيه أثقال تلك العلاقة، فإذا به يسمع صراخا يأتي من شرفته بالأعلى فينظر نحوه فإذا بجسد صديقته يهوي فوق رأسه فيرديه.

فعاش الاكتئاب ومات التمرد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى