ثقافة ومعرفة

“ما يطلبه المسافرون”.. ولماذا لا تتغير سرعة الطائرات أثناء الرحلات؟

بشكلٍ مفاجئ، يمكن أن تصل سرعة الطائرات لـ95% من سرعة الصوت، ما يعني امتلاكنا القدرة على عبور المحيطات في أقل من يوم، أو تخطي بلدان بأكملها خلال ساعة من الزمن، ومع ذلك، لا تزال سرعات السفر الجوي كما هي منذ عقود، لماذا؟

بديهيات

بطبيعة الحال، جعلت التكنولوجيا الحديثة الطيران أكثر أمانًا، وسهلت إمكانية الوصول إلى معظم بقاع الأرض، مقارنة بالأمر ذاته منذ 50 عامًا، حيث يمكن حاليًا للطائرات أن تطير لمسافات أبعد وأسرع من أي وقت مضى.

للأسف، مع كل التطورات في تكنولوجيا الطائرات، الشيء الوحيد الذي لم يتغير هو السرعة التي نصل بها إلى وجهاتنا، لذلك، هل تساءلت يومًا لماذا لا يطير الطيارون بشكل أسرع؟

وفيما يلي نبدأ في استعراض الأسباب الحقيقية التي تجبر الطيارين على الثبات عند سرعات مُحددة، وعدم استغلال سرعة الطائرات الفعلية، والتي يمكن أن تقترب تمامًا من سرعة الصوت.

اقرأ أيضًا: سر الألوان.. لماذا الطائرات بالأبيض ومواقع التواصل بالأزرق؟

 كم تبلغ سرعة الطائرات التجارية؟

سرعة الطائرات

بشكل عام، تتراوح سرعة الطائرات النفاثة التجارية ما بين 400-500 عقدة، وهذا يساوي 750-950 كم/ ساعة تقريبًا، أو 460-580 ميل في الساعة. ويطلق على سرعة الطائرات علميًا مصطلح “السرعة الجوية”، حيث تقاس بالسرعة التي تنتقل بها في الهواء.

دون أن نغفل تأثُّر سرعة الطائرة في رحلة معينة بوزن الطائرة ونوعها وإعدادات الدفع، وكذلك بالرياح، حيث تسير الطائرة مع الرياح أسرع مقارنة بالطائرة التي تكافح ضد الرياح المعاكسة.

لماذا؟

كما ذكرنا، الطائرات التجارية قادرة تمامًا على الطيران بشكل أسرع مما تفعله اليوم، فمثلًا؛ تبلغ السرعة القصوى لطائرة “بوينج 777” 575 ميلاً في الساعة ولكن الرحلات المسجلة لهذا الطائرة تشهد في الغالب تحليقها بسرعات أبطأ. فما هو السبب في ذلك؟

اقرأ أيضًا: ظواهر غريبة فاجأت العالم مرة واحدة واختفت

سبب تجاري

من الناحية التجارية، يجب أن تقدم شركة طيران الركاب أرخص الرحلات مع أقصر الطرق لتظل قادرة على المنافسة، ومع ذلك، يتم احتساب المصاريف المتغيرة؛ مثل الوقود في تكاليف كل مقعد، وهو ما يحدد على أساسه سعر تذاكر الطائرة.

سعر الوقود

تعد تكاليف الوقود من أهم نفقات شركة الطيران وتقدر بنحو 40% من إجمالي نفقات التشغيل، وهذا ما تحاول شركات الطيران عادة استغلاله للبقاء داخل دائرة المنافسة التجارية.

وفي الأغلب، تؤتي المحاولات الجذرية لتقليل استهلاك الوقود ثمارها ماديًا على الأقل؛ منذ أن انخفض استهلاك وقود الطائرات في الولايات المتحدة بنحو 15% منذ مطلع القرن.

تكاليف الصيانة

تعد تكاليف الصيانة السبب الأكثر جدارة بالاهتمام عند الحديث عن سرعة الطائرات التجارية، فعندما تحلق الطائرة بسرعة تقترب من سرعتها القصوى، يمكن أن يتسبب ذلك في تآكل للأنظمة الميكانيكية، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الصيانة أو ضرر جسيم بالأجزاء الميكانيكية أثناء الرحلات نفسها.

القيود الفنية

وعلى الرغم من أن كفاءة وقود الطائرات قد تحسنت بسرعة فائقة خلال السنوات الـ60 الماضية، لم يكن هناك تقدم كبير لتحسين سرعة الطائرات في الطيران بكفاءة.

السرعة أم السعر؟

أظهرت الدراسات الاستقصائية أن الركاب والمسافرين يفضلون توفير المال، وقضاء وقت طويل في الهواء، بدلاً من ارتفاع أسعار تذاكرهم، وبما أن شركات الطيران تبحث عن جني الربح المادي في المقام الأول، بالتالي من المنطقي أن يتم تقييد الطيارين بسرعات محددة حتى لا يُثقل كاهل الشركات بتكاليف إضافية.

الكونكورد.. ما يطلبه الجميع

سرعة الطائرات

ولأن السؤال حول زيادة سرعة الطائرات التجارية لا ينتهي، كانت هناك محاولات لرفع السرعة التي تعمل بها الطائرات أثناء الرحلة العادية، وكانت أولى هذه المحاولات باسم “كونكورد”.

كونكورد هي طائرة ركاب بريطانية- فرنسية أسرع من الصوت، تم تطويرها وتصنيعها بشكل مشترك من قبل شركة بريطانية بموجب معاهدة أنجلو-فرنسية.

تم إطلاق الطائرة لأول مرة في عام 1969 وخاضت أولى رحلاتها عام 1976 وقد تم تشغيلها من قبل الخطوط الجوية البريطانية والخطوط الجوية الفرنسية لأكثر من 30 عامًا قبل يتوقف استخدامها في عام 2003.

اقرأ أيضًا: الأخبار المزيفة.. لماذا تنتشر سريعا وكيف يمكن مواجهتها؟

 رحلات الأثرياء

نظرًا لأن الرحلة داخل طائرة تحلق بسرعة أعلى من الصوت تتطلب تكاليف تشغيل أعلى، كانت التذاكر باهظة الثمن، حيث بلغ متوسط ​​سعر التذكرة لمقعد في كونكورد حوالي 12000 دولار.

استهدفت شركة الطيران التي قامت بتشغيل كونكورد طبقة الأثرياء، الذين يمكنهم تحمُّل تكاليف الرحلات باهظة الثمن نظير الوصول إلى وجهاتهم بشكل أسرع.

اشتهرت طائرة الكونكورد برحلاتها المنتظمة عبر المحيط الأطلسي من لندن وباريس إلى نيويورك وواشنطن، عاصمة الولايات المتحدة الأمريكية

بلغت سرعتها القصوى 1354 ميلاً في الساعة كما يمكن للطائرة التي تتسع لـ 128 راكبًا بشكل مريح، وأن تقوم بالرحلة عبر المحيط الأطلسي في 3 ساعات ونصف.

مشاكل متوقعة

واجهت الطائرات التجارية من طراز كونكورد تحديات متوقعة، تتمثّل في صعوبة زيادة سرعة الطائرات دون مشاكل حقيقية، تتخطى حتى مسألة التكاليف التشغيلية. ومنها ما يلي:

  • قصر الرحلات: لم تكن فكرة الطائرة التجارية التي تحلق بسرعة أكبر من سرعة الصوت عملية، لأن استهلاك الوقود المرتفع انعكس على مدى الرحلات ومحدودية الوجهات المتاحة للركاب.
  • صعوبة التحكم: سرعة الطائرات النفاثة التجارية تضع تحديًا إضافيًا على عاتق الطيارين، حيث تقل احتمالية تدارك القائد لأي خطأ مقصود أو غير مقصود أثناء التحليق بسرعة خيالية.
  • أعطال: يمكن أن يؤدي الطيران بسرعة “ماخ” إلى زيادة احتمالات حدوث عطل ميكانيكي، حيث يمكن أن تؤدي الاهتزازات المفرطة والضغط الإضافي إلى فشل المكونات الرئيسية أثناء الطيران.
  • التلوث الضوضائي: تتطلب هذه الطائرات محركات متعددة عالية الطاقة لإنتاج قوة دفع كافية للوصول إلى السرعة المطلوبة، بالتالي قد تتسبب الاهتزازات الناتجة عن عمل المحركات إلى إلحاق الضرر بالمناطق المأهولة بالسكان.
  • الحوادث: تعرضت الكونكورد لتحطم واحد مميت ولكن تعرضت لعدة حوادث شملت أعطالًا هيكلية وميكانيكية طوال مسيرتها المهنية. ما جعلها تندرج تحت بند الطائرات غير الآمنة على الركاب.

في النهاية، وبعد أن عرضنا كل الأسباب التي تجعل تثبيت سرعة الطائرات عند حد مُعين أمرًا لا جدال فيه، تظل القصة برمتها مرهونة برغبة الركاب، ومدى حرصهم على أموالهم، بل وسلامتهم.

المصدر
مصدر 1مصدر 2مصدر 3

تعليق واحد

  1. أصعب أنواع الفراق
    هي أن تفارق
    روح الإيمان جسدك ؛
    فتكون عبادتك
    مجرد حركات شفوية !
    -ابن القيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى