عجائبآراء ومساهمات

سطور من المستور: حكاية الجراح حاصد الأرواح

سطور من المستور.. مقالات يكتبها سامح مبروك، تكشف في سطور قليلة المستور من حوادث وحكايات غريبة وطريفة تأتيكم من أعماق التاريخ.

روبرت ليستون

كانت غيوم التوتر والقلق الحبلى بالترقب تحوم في سماء مسرح العمليات الكبير في المستشفى الملكي بأدنبرة بالمملكة المتحدة في بدايات القرن التاسع عشر، حيث كان الجراح الأسكتلندي الشهير “روبرت ليستون” يستعد لجولة جديدة من جولاته وصولاته في عالم الجراحة.

ولم تأتِ تلك الشهرة من فراغ، بل كانت نابعة من السرعة الشديدة التي يمتاز بها هذا الجراح الكبير، وربما كانت السرعة هي العامل الأهم والأكثر فاعلية في جراحات عصر ما قبل التخدير، ذلك العصر الذي كان الجراحون فيه يعولون فقط على جرعات من الخمر أو بعض الأنواع من المنومات أو المهدئات أو المسكنات البدائية، وقد كان السيد ليستون من أسرع وأبرع الجراحين، فيذكر أنه كان قادرًا على إجراء عملية بتر لأي طرف من الأطراف في حوالي 30 ثانية.

مسرح العمليات

ولم يكن التوتر الذي يخيم على الحضور وليد الصدفة أو الفراغ، فقد كان الحضور -الذين اعتاد العديد منهم أن يشهد تلك الجراحات في مسرح العمليات مباشرة كما كان مسموحًا في ذلك العصر- على علم بتلك الحادثة المؤلمة التي رسخت كواحدة من الأخطاء الجراحية الشهيرة في هذا العصر، وكان بطلها أيضًا السيد ليستون حينما قطع خصيتي مريض بالخطأ عندما كان يجري له جراحة بتر ساق.

جراحة مشؤومة

وعلى الرغم من تلك الذكرى المؤسفة وهذا التوتر، كان الجميع في انتظار واحدة من الجراحات الناجحة والسريعة للسيد ليستون، وقد كان المريض يعاني من عفونة في الساق أو “الغرغرينا” وكان يجب بتر تلك الساق للحفاظ على حياته.

كانت كل الترتيبات على ما يرام وبدأ السيد ليستون ومساعدوه الجراحة، وشرع السيد ليستون في شق الساق في المكان المحدد قبل أن يلاحظ أن أدوات الجراحة لم تكن نظيفة بالشكل الكافي، فارتبك وزاد من ارتباكه ذلك الصخب الذي حدث من خلفه في مقاعد المشاهدين.

إلا أنه آثر أن يتم جراحته بسرعة كما هو معتاد حفاظًا على حياة المريض، خوفًا من أن يقتله طول فترة التعرض للألم، ولكن ذلك الارتباك لم يطل السيد ليستون وحده، بل نال أيضًا أحد مساعديه والذي كان يمسك بساق المريض، ليسلم أصبعه لمشرط السيد ليستون ليعلو صراخ المساعد على صراخ المريض ويصرخ الحضور في الخلفية، ويضج المسرح بالصراخ.

%300

لم يكن أحد من الحضور أو الطاقم الجراحي أو المريض ذاته يتوقع هذا الكم من الفشل في تلك الجراحة المشؤومة، فقد اتضح فيما بعد أن واحدًا من الحضور كان مسنًا للغاية، ويعاني رهاب مشاهدة الدم والجروح، وما إن رأى الدم يتدفق بغزارة من ساق المريض حتى أصيب بصدمة عصبية حادة وخر مغشيًا عليه، مما أسفر عن تلك الحالة من الارتباك وسط المشاهدين، أودت تلك الصدمة بحياة ذلك الرجل على الفور، بينما كانت الأدوات الجراحية الملوثة سببًا كافيًا في إنهاء معاناة بل حياة المريض، ولم تكن تلك هي نهاية الأحداث المؤسفة المصاحبة لتلك الجراحة، فلم يسلم المساعد من أذى تلك المعدات الجراحية الملوثة، وكان بتر إصبعه كفيلًا ببتر عمره أيضًا ليرافق المريض في رحلته للعالم الآخر.

هكذا حققت تلك الجراحة الفريدة واحدة من أعلى نسب الفشل في التاريخ الجراحي البشري حيث وصل معدل الفشل 300%، مما جعل بعض مدوني التاريخ الجراحي يعد تلك الحادثة من الأساطير الجراحية غير القابلة للتصديق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى