ثقافة ومعرفة

كيف قاد «طبق متعفن» ألكسندر فلمنج لاكتشاف المضادات الحيوية؟

الحاجة أم الاختراع، تعتبر هذه المقولة المأثورة هي جوهر سعي الإنسان نحو إيجاد الحلول للأشياء التي لا يبدو بالنسبة له أن هنالك حلا لها، وبغض النظر عن سعي الإنسان منذ أن حطت أقدامه على هذه الأرض للتأقلم مع المتغيرات التي تطرأ على حياته والتعايش معها، إلا أنه أحيانا كان يسقط في فخ «حجم قدرته وعلمه البشري»، وفي أحيان أخرى قدر له أن تقوده الصدفة للوصول إلى حل لمعادلات معقدة، دون تدبير مسبق منه.

يدين الجنس البشري بالكثير والكثير للمضادات الحيوية، فقد أعطت الإنسان قبلة الحياة وأنقذت ملايين الأرواح، حتى أصبح التعامل بها ومعها شيئا مسلما به، وهنا؛ بجب علينا الإشارة إلى تاريخ هذه المضادات التي انتشلت الإنسان من مصير بائس، أو بمعنى أوضح، للصدفة التي قادت الإنسان لاختراع ما يعرف حاليا بالدواء. 

من هو فلمنج؟

ولد «أليكسندر فلمنج» في أغسطس من العام 1881 بإحدى مدن إسكتلندا، وكان الابن الثالث من 4 للمزارع «هاف فلمنج»، الذي توفي حين بلغ أليكسندر السابعة من عمره فقط، وتلقى فلمنج الابن تعليما مدرسيا عاديا، ثم التحق بمعهد «Polytechnic» الملكي بلندن في منحة دراسية.

حين وصل فلمنج إلى سن العشرين، كان قد توفي أحد أعمامه، ليرث مبلغا من المال، أعانه على أن يتحول من عمله بالشحن إلى العمل كطبيب معالج بعد توصية من شقيقه الأكبر «توم» الذي كان يعمل بنفس المجال، وفي 1903، تم تسجيل فلمنج كطالب بمدرسة الطب بجامعة القديسة ماري في لندن.

مقالات متعلقة

مع نشوب الحرب العالمية الأولى، التحق بالجيش، وتحديدا بالقوات الطبية الملكية، نظرًا لاهتمامه البالغ بالجروح والعدوى، قبل أن يعود مجددا إلى عمله بمستشفى القديسة ماري عقب انتهاء الحرب عام 1918.

صدفة

في العام 1928، كان العالم الإسكتلندي عائدًا من إجازته ليباشر عمله، ليصطدم بمشهد غير متوقع في مختبره، فقد أصيبت بعض «أطباق بتري» الخاصة به، والتي كانت تحمل عينات من بكتيريا «Staphylococcus aureus» بالعفن، وبعد وضع الأطباق تحت المجهر، اتضح له أن العفن أنشأ مناطق خالية تماما من الجراثيم، حيث لا تنمو البكتيريا فيها، بهذا؛ استنتج فلمنج أن العفن يعمل كمعامل مضاد للبكتيريا، وبذلك يمكن تسخيره بشكل ما لمكافحة الأمراض المعدية.

«عندما استيقظت بعد فجر يوم 28 سبتمبر 1928 ، لم أكن أخطط بالتأكيد لإحداث ثورة في كل الطب من خلال اكتشاف أول مضاد حيوي أو قاتل للبكتيريا في العالم، لكني أعتقد أن هذا هو بالضبط ما فعلته».

-أليكسندر فلمنج

لم تتوقف الثورة عند ذلك الحد ‑اختراع فلمنج لأول مضاد حيوي- باختراع البنسلين، الذي أصبح أحد أكثر الأدوية استخداما بالعالم، فبعد قرابة العقد، كان العالمان «هوارد فوري» و«إرنست تشين» قد قاما بعزل المادة الفعالة من البنسلين، وأجريا اختبارات أولية على الفئران، ومع النتائج الواعدة أصبح الدواء الجديد جاهزا للاستخدام.

تطوير

كان أول من تلقى العلاج بالبنسلين ضابطًا شرطيا بريطانيا يدعى «ألبرت أليكسندر» الذي أصيب بعدوى مميتة عقب حك جسده بغصن شجرة، وبعد تلقيه جرعة البنسلين، أظهر تحسنا بعد مرور أيام، إلا أن عدم توافر جرعات أخرى من البنسلين النقي جعلت علاجه يتوقف عند ذلك الحد، لينتكس مجددا، قبل أن يفارق الحياة بعد شهر واحد.

كحل لهذه المشكلة، قام فلوري وتشين بتطوير طرق الإنتاج لتوفير البنسلين بكثرة، والذي تصادف ليكون وقتا مثاليا بما أن الحرب العالمية الثانية قد بدأت بالفعل، بالتالي، اعتبر ذلك العلاج مثاليا لمداواة جرحى ومصابي الحرب، وفي عام 1944، تم تصنيع ما يقارب من 400 مليون وحدة من البنسلين النقي، ومع نهاية الحرب، كانت شركات أمريكية قد توصلت لطريقة تمكنها من إنتاج 650 مليار وحدة من البنسلين شهريا، ليتم تقدير جهود العالمين بفوزهما بجائزة نوبل في الطب عام 1945.

تحذيرات

وسط موجة عارمة من التفاؤل الذي ساد العالم بسبب ذلك الاختراع السحري، كان فلمنج أول من حذر العالم من خطورة إساءة استخدام البنسلين، خلال كلمته التي ألقاها خلال حفل توزيع جوائز نوبل عام 1945، حيث قال.. «ليس من الصعب جعل البكتيريا مقاومة للبنسلين في المختبر، من خلال تعريضها لتركيزات غير كافية لقتلها، وحين يأتي الوقت ويصبح البنسلين متاحا بالمتاجر، قد يعرض شخص جاهل الجميع للخطر، عبر تعريض ميكروباته لكميات غير قاتلة من العقار، تجعلها بذلك مقاومة للبنسلين».

حقيقة؛ لم يمض وقت طويل حتى تحققت نبوءة فلمنج، ففي عام 1947، ظهرت أول حالة مقاومة للبنسلين، إلا أن ذلك لم يمنع المسؤولين عن مواصلة تطوير العقارات والمضادات الحيوية بهذه الفترة، حيث يشاع أن الفترة ما بين 1950 و1960 كانت فترة ازدهار وعصرا ذهبيا لاكتشاف المضادات الحيوية، حيث اكتشف نصف ما تعرفه البشرية من المضادات في هذه الفترة فقط.

بالتأكيد؛ يدين العالم لفلمنج ومن خلفوه بالفضل، فبعدما تم إدخال مفهوم المضادات الحيوية على الطب، أصبح من السهل جدا علاج الأمراض المعدية والتي تسببت في أوقات سابقة في موت الملايين، لكن وكما حذر فلمنج سابقا، سوء استخدام المضادات الحيوية سينتج عنه دون شك ظهور أنواع من البكتيريا المقاومة، وربما يمكننا أن نسمي ذلك الوقت بـ«عصر ما بعد المضادات الحيوية».

الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
Please rotate your device
قل ودل فعّل التنبيهات واحصل على جديد موقع قل ودل أولا بأول
Dismiss
Allow Notifications