محمود طه يكتب: ميلان جاتوزو.. حلقة إيطالية في مسلسل مكسيكي!

28

كتب – محمود طه

في موسم ١٩٧٨ – ١٩٧٩ حقق ميلان لقب الدوري الإيطالي، وفي الموسم الجديد قدم بائع للخضروات والفاكهة شكوى قضائية بحق أحد أصحاب المطاعم، وذلك لأن صاحب المطعم أخبره بنتائج بعض المباريات بسبب علاقته بمجموعة من اللاعبين في فريق لاتسيو.

 ولكن خسر بائع الخضار الكثير من الأموال التي ألقاها على طاولة المراهنات في ضوء المعلومات التي يقدمها له  صاحب المطعم، لتكون تلك الشكوى هي الشرارة الأولى لحريق ما عُرف باسم ”فضيحة توتو نيرو“، والتي دفعت بميلان إلى النفق المظلم، قبل أن يأتي الفارس المنقذ سيلفيو بيرلسكوني.

”نريد أن نبني فريقا يستمر وقتا طويلا.. فريق يعود بأسلوب ورقي وقلب على الصعيدين المحلي والدولي، لنعيد إحياء تقاليد ميلان، ونعطي عشاق الروسونيري بعضا مما أعطوه لميلان“.

هكذا بدأ رجل السياسة سيلفيو بيرلسكوني حقبته الذهبية في ميلان، حقبة احتل خلالها ميلان إيطاليا وأوروبا، وقدم للكرة أجيالا ساهمت في صناعة التاريخ وضاعفت من شعبية اللعبة.

نجاح ساحق حققه الرجل منذ أن تولى مقاليد الأمور في ميلانو، صنع فريقا لا يقهر في أوروبا، كما كان السبب الرئيسي في بناء أساطير التدريب الإيطالي أريجو ساكي وفابيو كابيللو ومن بعدهما كارلو أنشيلوتي.

هذا النجاح دفع الرجل يوما ما ليقول: ”إن البلاد التي عرفها العالم بالبيتزا والمافيا، بات ميلان أشهر ما فيها“.

وكما ساهم سيلفيو في بناء أسطورة النادي، فقد امتص على حسابه من رحيق زهرة الشعبية قدر ما استطاع، ليصنع مجده السياسي على خلفية نجاحه الرياضي الساحق، فعلى قدر العطاء يكون الجزاء.

ثم جاء اليوم المحتوم، ليرحل بيرلسكوني عن إدارة النادي، ويخط بقلمه سطر النهاية قائلا: ”أترك ميلان بألم وتأثر.. لا يمكنني نسيان الشغف الذي أعطاني إياه ميلان وأعطاه لنا جميعا، شكرا للجميع!“.

عصر الاضمحلال

ما بين تصريح بيرلسكوني الأول، وسطر الختام في بيان الوداع، تم صُنع التاريخ، ولكن الفصل الأخير من حقبته شهد نقطة التحول وبداية السقوط إلى الهاوية، والحقيقة أنه يصعب تحديد نقطة الانطلاق الجنوني إلي القاع، فكلما وضعنا يدنا على لحظة بعينها، ندرك أنها لم تكن البداية، وأن هناك نقطة أخرى أو قرار أحمق قد سبقها.

أهي اللحظة التي قرر فيها سيلفيو بيع إبراهيموفيتش وتياجو سيلفا إلى باريس سان جيرمان؟ أم هو اجتماع جالياني بأندريا بيرلو عندما منحه هدية القلم الذي وقع به عقود انضمامه ليوفنتوس؟ أم هو يوم التخلي عن أعمدة الفريق تباعا ورحيل نيستا وجاتوزو وفان بوميل وسيدورف وانزاجي وزامبروتا؟.

ولكن الشئ الأكيد أن اختيارات الإدارة الفنية كانت هي الكارثة الكبرى، فمن بعد رحيل ماسيمليانو أليجري، آخر من جلب لقب سكوديتو لخزائن الفريق، تعاقب على مقعد ميلان التدريبي سلسلة من أشباه المدربين، اختلفت الأسماء وكان الأداء نسخة متطابقة.

الحلقة المفرغة

بعد رحيل أليجري، دار ميلان في سلسلة من الحلقات الفنية المفرغة، راهنت الإدارة على التجربة الشبابية وجاء سيدورف ليبدأ مسيرة تدريبية مشوهة ليتبين أنه سبب الهزائم، ليأتي من بعده فيليبو إنزاجي ويبدأ مسيرته التدريبية المتطابقة مع رحلة صديقه سيدورف، ويتشابه مصيره أيضا ويرحل بعد اكتشاف أنه السبب الأول وراء الإخفاقات، وتتوعد إدارة ميلان ببناء الفريق مرة أخرى على يد ميهايلوفيتش، ليتفائل الجميع بعودة ميلان، ويفشل ميهايلوفيتش ويرحل مثل من سبقوه.

ويضرب الجميع موعدا مع أحد الفواصل الكوميدية برعاية رجل يدعى بروكي، رحل بدوره دون أن يشعر به أحد، وجاء مونتيلا معززا بظهير شعبي كبير لنجاحه النسبي مع فيورنتينا، وتجتاح النادي حالة هيستيرية من الإنفاق غير مسبوقة في تاريخه، ويأتي عدد لا بأس به من النجوم، وينتظر الجميع إعصار الروسونيري، ولكن الإعصار دائما ما يقتلع جذور النادي دون المساس بمنافسيه، ويرحل مونتيلا ويتوج بجائزة الخنزير الذهبي المخصصة لأبرز الفاشلين في أحد البرامج الشهيرة في ايطاليا.

وبعد ذلك تراهن الإدارة الجديدة على الشباب، ويأتي جاتوزو، ويملأ الدنيا صراخا وحماسا، يفوز في مباراة، ويتفادى الخسارة في أخرى، ثم يغرق في سلسلة هزائم ليتم تحضير ورقة الإقالة في أروقة الإدارة، فيحقق فوزا كبيرا، فيتم تجديد الثقة.. وهكذا لا تتوقف الدائرة.

عودة ميلان الكبير، الرهان على المواهب التدريبية الشابة، الأزمة المالية في طريقها للحل، لماذا سقط ميلان ولم يعد قادرا على النهوض مجددا؟ متي يعود كبير أوروبا.. كلها عناوين مكررة لتقارير وأخبار وتحليلات لم تعد تأتي بأي جديد.

سنوات تمضي، وإخفاقات تتوالى، وعجز الخبراء في وضع أياديهم على بؤرة الفشل الميلاني المتكرر، إذا كانت الإدارة هي السبب فالإدارة قد رحلت وتغيرت، وإذا كان اللاعبون.. فقد تعاقب على تشكيلة الفريق لاعبون لم تعد الذاكرة قادرة على تدوين أسمائهم جميعا، وإذا كانت الإدارة الفنية هي المشكلة، فقد تغيرت أسماء واستمر الأداء، بسيناريو متطابق يبدو وكأنه متفق عليه.

وضعية الفريق في بطولة الدوري هذا الموسم يصعب تمييزها عن جميع المواسم الأخيرة السابقة، الفوز في مباراة هامة، ثم الخسارة في مباراة تتلوها، فتبدأ سلسلة غريبة من التعادلات، ينتظر الجميع خبر إقالة المدرب، فيفاجئ الرجل الجميع بفوز عريض ويتم تجديد الثقة والحديث عن الرهان على الاستقرار، فيعود الفريق للخسارة ويرحل المدرب ويأتي غيره بتصريحات عن بناء مشروع العودة، ويستمر مسلسل الملل الطويل وسط دموع المشجعين التي جفت تدريجيا تحت تأثير اللامبالاة.

احصل على آخر الأخبار والمستجدات مباشرة على جهازك

هذا الموقع يستخدم الكوكيز لتحسين تجربة المستخدم. نحن نفترض أنك موافق على هذا، لكن يمكنك الرفض إذا أردت. أوافقاقرأ المزيد