هاني كمال يكتب: على هودج الأحلام

3

كتب – هاني كمال

مراهق لا يقوى على رفع أرجله، طفل أشيب الشعر، يسير بين أشجار ممتدة الجذور تضرب في باطن الأرض تسقي جذعها بماء قد دنسته آلاف الأفكار للسائرين على ظهر الأرض. ينظر الى الأزهار بعين ذابلة وحدقتين شاخصتين الى أعلى من فرط انحناء ظهره. الألوان تسطع زاهية للحظة ثم تعود باهتة لا تسر الناظرين أبدا. قد رأى من الأهوال ما لم ير أعظم المستكشفين وعرف من الأسرار ما لا يقوى الساحر على معرفته.

لا يتقبل أكثر مما يرى ولا يستحسن الا النادر. هو الجبروت في زي شيطان وهو الضعف الذي يستعطف الناس. كأميرة ترى في نافذة القصر محبسا وليس حماية، كطائر بجناحين يلتقط الأسماك من النهر راجيا لو أنه يستطيع العيش تحت الماء وكأسد قوي لا يرى في الغابة إلا الضباع.

سار يوما إلى هودج محفوف بالعسكر من كل ناحية يهتز لخطوة الحمّالين وتهادى معه برأسه يمنة ويسرة لعله يرى الأميرة القابعة بداخله ينفرج الستر مع الاهتزاز ويظهر جزءا من مفاتنها فتارة عينا مكحلة وتارة كفا منقوشا بالحناء وتارة قدما بسوار حولها يلمع خاطفا الأبصار. تحول من فرط التمايل إلى درويش يناجيها وسار يقترب مرددا “إنه الجميل يحب الجمال” على نحو منظوم على إيقاع ثابت.

انتبه اليه الحراس وشرع أحدهم أن يبعده بالحربة التي يمسكها، أشفق عليه القائد الوحيد الراكب على أحد الخيول وأمر الحارس بالتوقف عن إبعاده ورمى له ببعض التمر فالتقط ما التقط بيده ولم ينظر لما سقط على الأرض. فازداد القائد به إعجابا وعدّه من الزاهدين. ارتفع صوته وبدأ القائد بالقرع على درعه مع نغم النظم الذي يردده. فانتبهت الأميرة داخل هودجها. أمرت بالتوقف وفتحت الساتر لترى ماذا يحدث، فرأى وجهها وبدا حسنها فانهار أرضا وكفيه على الأرض ثم شبكهما وراء ظهره رافها السبابة إلى على. قالت في صوت كخرير الماء العذب: ماذا تريد من موكبي؟ رد في صوت متهدج من فرط اللهاث: أود أن أنضم إلى مريديه أقبل الأيدي والأرجل صباحا ومساء وأتغنى بحب صاحبة الهودج وأصير من التابعين.

ضحكت وقالت: قد رفعت قدري فوق البشر، فنظر لها مرة لأول مرة منذ أن خر إلى الأرض وقال: هي بالفعل، في كل قلب منازل للناس والرضى يرفع المنازل وعند التقبل يخسف بها الأرض. رضيت بحبك ونعمت بغزلك فارفعي عنك البراقع علّي أرى الحسن المتكمل والبدر المنير. نظرت حولها في ريبة ورفعت البراقع عن وجهها فأشرقت الشمس بنور غير الذي اعتاده وسمع صوت قلبه القاصي قبل الداني وأمسك بقدم الحمّال ورافعا جسمه حتى وصل إلى الهودج وقبل أخشابه في خشوع وقال: تمنيت لو أن الطيور هي قلبي والسماء هي قلبك أهيم فيه غاديا ورائحا كل يوم من الشروق إلى المغيب.

رفع يده الى أعلى يلتقط ثمرة من إحدى الأشجار فانتبه عقله الى وجوده وانتبه الى كل من حوله فما وجد العالم الذي كان يناجي فيه خياله ووجد ضجيجا وخناقا واستغلالا لكل ذي أرجل ووجد سدودا أوابوابا وأدرك أن الاحلام لا تتحقق دائما من تلقاء نفسها. أطفأ نور رأسه بالنوم وتمنى لو أن الأحلام تدوم.

احصل على آخر الأخبار والمستجدات مباشرة على جهازك

هذا الموقع يستخدم الكوكيز لتحسين تجربة المستخدم. نحن نفترض أنك موافق على هذا، لكن يمكنك الرفض إذا أردت. أوافقاقرأ المزيد