ثقافة ومعرفة

الأفوكادو.. الذهب الأخضر الذي أشعل صراعا

في 2019، تم الإبلاغ عن حادثة غريبة بولاية ميتشوكان المكسيكية، فقد تم مشاهدة تعليق 9 جثث شبه عارية على أحد كباري المدينة، قبل أن تعلن عصابة «جيل غاليسكو الجديد» مسؤوليتها الكاملة عن الحادث، في هذا الوقت ساد الرأي العام المكسيكي اعتقادا بأن هذه الحادثة كانت بسبب مشكلة ما حدثت بين عصابتين تعملان بتجارة المخدرات، إلا أن الحقيقة هي أن الحادثة تلك، والكثير من شبيهاتها تكررت من العصابات الإجرامية رغبة من البعض في بسط نفوذه على مناطق «الذهب الأخضر».

ما هو الذهب الأخضر؟

كانت ثمرة الأفوكادو قديمًا هي ثمرة الفقراء بالمكسيك، فقد كانت متاحة للجميع، إلا أن كل شيء تحول تماما بحلول الثمانينيات، آنذاك، كانت قد ظهرت للتو صيحة جديدة بعالم التغذية، عرفت بتناول الأطعمة الصحية.

وبما أن الأفوكادو ثمرة ذات دهون شبه منعدمة وأثبت علميا احتواؤها على ما يقارب الـ20 من المعادن والفيتامنيات المفيدة لصحة الإنسان، تم وضعها كهدف رئيسي من قبل المؤسسات المعنية بالصحة، كحل بديل للأطعمة ذات الدهون العالية.

بنفس الفترة كانت الحكومة الأمريكية ترغب وبشدة في تعريف مواطنيها بالثمرة المجهولة بالنسبة لهم، ليتم إسناد مهمة التعريف لشركة متخصصة بالتسويق، فعلى عكس المكسيك، كانت الثمرة نادرة للغاية بالولايات المتحدة، بسبب صعوبة ظروف زراعتها والتي لم تتمكن الأراضي الأمريكية من استيعابها.

امتلكت شركة الدعاية فكرة عظيمة لتعريف الجمهور بالثمرة، فقد تم تقديمها بعرض «سوبر بول» الخاص بكرة القدم الأمريكية والذي يعتبر أهم الأحداث الرياضية على الإطلاق من حيث المتابعة، ليتم وقتئذ تقديمها على أيدي لاعبي كرة القدم مع شرح مبسط للجمهور عن فوائد الثمرة. بذلك ومع تكرار الأفكار التسويقية تلك، نالت الثمرة شهرة واسعة وأصبحت مطلبا جماهيريا.

شهرة مسببة

تنتج المكسيك 45% من الإنتاج العالمي للأفوكادو، نظرا للظروف المناخية المناسبة للزراعة، الأيدي العاملة رخيصة الثمن، والأهم هو وفرة المياه التي تعتبر أهم ضروريات تواجد زراعة الأفوكادو بأي مكان.

في 1994 تم عقد اتفاقية «نافتا» ما بين الولايات المتحدة الأمريكية، كندا والمكسيك، وهي اتفاقية تبادل تجاري حر، تشبه تلك الخاصة بالاتحاد الأوروبي، هذه الاتفاقية تحديدا، يعتقد أنها السبب الأول والرئيسي لكون ثمرة الأفوكادو تمتلك شهرتها الحالية من الأساس، لأنه بمقتضى هذه الاتفاقية أصبح أمر نقل الأفوكادو خارج المكسيك وصوب السوق الأكثر تطلبا ‑الولايات المتحدة- ممكنا وقانونيا. فحوالي 70% من استهلاك السوق الأمريكي من الأفوكادو يأتي رأسا من المكسيك. لأن متوسط استهلاك المواطن الأمريكي من الأفوكادو وصل مؤخرا لـ4 كيلوجرامات وهو الرقم الذي يعادل 4 أضعاف متوسط استهلاك المواطن الهولندي مثلا من نفس الثمرة.

مشكلة حقيقية

بالتأكيد منحت كل الأسباب السالف ذكرها انتعاشا اقتصاديا للمكسيك، كما قدمت يد العون للكثير من السكان المحليين العاملين بزراعة وحصد وحتى نقل الأفوكادو، لكن المشكلة بدأت هنا ولم تنته.

قدرت أرباح تجارة الأفوكادو بحلول 2019 داخل المكسيك بحوالي 2.4 بليون دولار أمريكي، كما أن بعض الباحثين رجحوا أن متوسط دخل العامل بسوق الأفوكادو داخل المكسيك يقارب حوالي 12 ضعف متوسط دخل الفرد العادي، وهو ما جعل التجارة نفسها محل جدال، ولم لا، وحروب.

أشارت صحيفة جارديان في تقرير مطول إلى أن الزخم المحيط بهذه التجارة المربحة جلب انتباه عصابات الإجرام معه. فما كان العصابات الإجرامية سوى أن تضع يدها بالقوة على مناطق زراعة الأفوكادو، طمعا في الربح الهائل الذي تدره هذه التجارة.

بنفس التقرير أشارت الصحيفة إلى أن العصابات تجبر أصحاب المزارع على العمل تحت تهديد السلاح كما أنها أوضحت أن هنالك حوالي 12 عصابة أخرى تتطاحن بغية بسط نفوذها على هذه الأراضي الشاسعة تحديدا بولاية ميتشوكان.

يعتقد أن السبب في ذلك وبغض النظر عن الربح الهائل هو قانونية تجارة وتصدير الأفوكادو خارج البلاد دون مساءلة قانونية تذكر، طبقا للاتفاقية المعقودة مع الولايات المتحدة الأمريكية على عكس نشاط العصابات الأساسي بتجارة المخدرات الذي تعاني خلاله نفس العصابات من التضييق القانوني. ولأن معظم البشر يسعون لربح الأموال، فقد تحولت ثمرة الأفوكادو من فاكهة تنقذ صحة البشر إلى أخرى معروفة بالذهب الأخضر تحصد أرواحا أخرى أيضا.

الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى