ثقافة ومعرفة

ما قبل التجارة الإلكترونية.. كيف باعت شركة أمريكية المنازل عبر البريد؟

نشأت التجارة الإلكترونية في الأساس بسبب الحاجة لإيجاد صيغة ما يتم بها نقل المستندات التجارية مثل الطلبات والفواتير، بين الموردين وعملائهم، ويعود أساس هذه الفكرة تحديدا إلى أواخر أربعينيات القرن الماضي أثناء حصار برلين، حيث كان يتم طلب البضائع عبر التلكس.

استخدمت هذه الطريقة في التبادل التجاري بالعقود التالية، قبل أن يتم وضع أول تعريف حقيقي للتجارة الإلكترونية وفقا لمعايير واضحة عام 1975، الأمر الذي أدى إلى تطوُّر ملحوظ وسهّل من مسألة التبادل التجاري عن بُعد.

مع وصول شبكة الإنترنت «World Wide Web»، تحولت التجارة الإلكترونية من الفاكس والتلكس إلى هذه الشبكة العملاقة، التي أثرّت بشكل عميق في حياة الأفراد اليومية، وفي سياسات عمل الكثير بل كل المؤسسات الخاصة والحكومية حول العالم، لسبب بسيط، وهو أن البشرية لم تعد في حاجة ماسة للتواصل المادي من أجل إبرام أي صفقات من أي نوعٍ، فقد أصبحت كل الأشياء (من الإبرة إلى الصاروخ) متاحةً على هذه الشبكة العنكبوتية، بل ويمكن لأي إنسان أيًا ما كان موقعه الجغرافي أن يشتري ويبيع ما يشاء بضغطة زر وحسب. 

التجارة الإلكترونية.. حياة أكثر رفاهية

لم تتوقف التجارة الإلكترونية عند كونها أداة أسهل لإتمام عمليات البيع والشراء، فقد تداخلت بأنشطة أخرى مع مرور الوقت، مثل المزادات، حجز التذاكر بمختلف أشكالها، والتعاملات البنكية، كما يمكن للفرد عن طريقها الاشتراك بالخدمات المدفوعة التي تقدمها بعض الصحف والمواقع الإخبارية، مع وجود ميزة حدوث كل ما سبق وفقا لجدول زمني يحدده المستهلك بنفسه طبقا لأولوياته وتفضيلاته الشخصية.

مقالات متعلقة

على الجانب الآخر؛ تمنح التجارة الإلكترونية أفضلية استثنائية لأصحاب الأعمال، حيث يمكن لشركة حديثة النشأة أن توصل منتجاتها أو خدماتها لأكبر عدد ممكن من البشر، لكن الميزة الأهم ربما هي أن افتتاح شركة أو مؤسسة تعمل بنظام التجارة الإلكترونية لا يحتاج إلى الكثير من المصاريف الإدارية، حيث يمكن لعدد صغير من الموظفين إدارتها من منازلهم في أصعب الظروف.

التجارة الإلكترونية
جيف بيزوس، مؤسس أمازون

ربما يجب الإشارة الآن إلى أحد أشهر نماذج مؤسسات التجارة الإلكترونية التي تأسست على يد جيف بيزوس عام 1995، بغرض استهداف قطاع القُرّاء، حيث كانت الخدمة الحقيقية التي تقدمها الشركة ذائعة الصيت حاليا في ذلك الوقت هي بيع الكُتب عبر الإنترنت.

وبذكر تكاليف التشغيل البسيطة، كان مقر أمازون عبارة قبو داخل منزل مالكها، في حين كان مقر الاجتماعات الخاص بالشركة هو مطعم بالمنطقة المحيطة، نظرًا لصعوبة إقامة اجتماعات داخل المنزل.

حاليًا، يعتقد أن بيزوس هو ثاني أثرى رجال العالم، بعد إيلون ماسك، مؤسس شركة تسلا، فخلال 25 عاما، تداخلت أمازون في كل قطاعات الأعمال، وأصبحت وجهة مثالية للبحث عن أي منتج أو خدمة يرغب المستهلك في الاستحواذ عليها.

خدمة توصيل المنازل للمنزل

ببحث بسيط عبر موقع «جوجل» نجد أن أضخم شيء يمكن للمستهلك شرائه من أمازون هو خزانة خاصة لحماية الأسلحة، يصل ارتفاعها إلى 6 أقدام ووزنها إلى 1500 رطل، لكن ماذا لو أن هنالك شركة يمكنها توفير ما هو أضخم؟

بالعودة إلى أوائل القرن العشرين، أي ما قبل عالم الإنترنت، كانت شركة سيرز هي السوق الذي يمكن للمستهلك من خلاله طلب ما يريد عبر البريد، حتى إن شركة البيع بالتجزئة الأمريكية العملاقة كانت تبيع المنازل، نعم ما قرأت صحيحا.

كان يمكن للمشتري الاختيار من بين مئات التصميمات، والدفع على أقساط، وشحن المنزل بالكامل عبر عربات السكك الحديدية في قطع منفصلة من الخشب، كل منها مرقمة ومقطعة بعناية لتناسب مكانها الخاص في المنزل، فكان كل ما كان على المشتري فعله هو العثور على نجار محلي للقيام بتجميع القطع مع بعضها البعض.

التجارة الإلكترونية

يعتقد أن شركة سيرز لم تكُن الوحيدة التي توفر خدمة توصيل المنازل الجاهزة من خلال الطلبات، لكنها دون شك كانت الأكثر نجاحا، حيث يقدر عدد المنازل التي أتمت الشركة بيعها خلال الفترة ما بين عامي 1908 و1940 نحو 100 ألف منزل.

قصة نجاح

أصدرت شركة سيزر عام 1908 أول كتالوج خاص بها، والذي ضم نحو 44 تصميما للمنازل تراوحت أسعارها ما بين 360 دولارا إلى 2890 دولارا، لكن هذه التجربة كانت تختلف جذريا مع الشكل المتعارف عليه، حيث كانت الشركة تقدِّم فقط للمستهلك المواد الخام والتصميمات، ويترك التنفيذ للمستهلك عبر الاستعانة بأي نجار محلي.

لم يستمر ذلك النمط طويلا، فحين نالت خدمات الشركة استحسان عملائها، قررت الإدارة عام 1916 أن تبدأ في بيع المنازل وشحنها كقطع، بدلا من توفير المواد الخام فقط، كما أضافت لقائمة منتجاتها ورق الجدران، الطلاء، السقوف والنوافذ وغيرها من الأساسيات التي لا يمكن الانتهاء من بناء منزل يصلح للعيش بدونها.

تحديات

كان أهم تحد واجهته شركة سيرز هو التغلّب على الاعتقاد الخاطئ بأن خدمة التجهيز المُسبق للمنازل، تعني أن المنتج ‑المنزل- سيكون دون المستوى المطلوب، بالتالي، كان الحل المنطقي هو البحث عن سياسة تسويقية مغايرة للتغلب على هذه التحيزات.

على الرغم من كون منازل سيرز «مسبقة الصنع»، إلا أن الشركة كانت تستخدم مواد ذات جودة ممتازة، وهناك الكثير من منازل سيرز، التي يبلغ عمرها حوالي 8 عقود، والتي لا تزال قائمة حتى اليوم.

التجارة الإلكترونية

من أجل الحصول على ميزة تنافسية على الشركات الأخرى، عرضت شركة سيرز أيضًا خطط تمويل مع قروض عقارية للعملاء، وعلى الرغم من أن هذا سمح للشركة ببيع عدد أكبر بكثير من المنازل التي يبيعها أي من منافسيها، إلا أنه ربما كانت فكرة القروض أكثر الأفكار الخاطئة التي نفذتها الشركة، فعندما ضرب الكساد الكبير أمريكا، تخلف العديد من العملاء عن سداد مدفوعات القروض، وبحلول عام 1934، اضطرت شركة سيرز إلى حبس الرهن لعشرات الآلاف من عملائها، وقد أدى هذا الإجراء إلى تآكل ثقة العائلات ذات الدخل المتوسط في شركة سيرز، ما أثر على الشركة لاحقا.

الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
قل ودل فعّل التنبيهات واحصل على جديد موقع قل ودل أولا بأول
Dismiss
Allow Notifications